Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ }

قوله تعالى: { لَهُ } الضميرُ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه عائدٌ على " مَنْ " المكررة، أي: لِمَنْ أسرَّ القولَ ولِمَنْ جَهَرَ به ولِمَنْ استخفى وسَرَب مُعَقِّبات، أي: جماعة من الملائكة يَعْقُبُ بعضُهم بعضاً. الثاني: أنه يعود على " مَنْ " الأخيرةِ، وهو قولُ ابن عباس. قال ابنُ عطية: " والمُعَقِّبات على هذا: حَرَسُ الرَّجُلِ وجَلاوِزَتُه الذين يحفطونَه. قالوا: والآيةُ على هذا في الرؤساء الكفارِ، واختاره الطبري في آخرين " ، إلا أنَّ الماورديَّ ذكر على التأويلِ أنَّ الكلامَ نفيٌ، والتقدير: لا يحفطونه. وهذا ينبغي أن [لا] يُسْمَعَ البتة، كيف يَبْرُزُ كلامٌ موجَبٌ ويُراد به نفي؟ وحَذْفُ " لا " إنما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعاً في جوابِ قسمٍ نحو:تَالله تَفْتَؤُاْ } [يوسف: 85] وقد تقدَّم تحريرُه، وإنما معنى الكلام -كما قال المهدوي -يحفظونه مِنْ أمرِ اللهِ في ظنِّه وزعمه.

الثالث: أنَّ الضميرَ في " له " يعود على الله تعالى ذِكْرُه، وفي " يَحْفظونه " للعبد، أي: لله ملائكةٌ يحفظون العبدَ من الآفات، ويحفطون عليه أعمالَه، قاله الحسن.

الرابع: عَوْدُ الضميرين على النبي عليه السلام، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ قريبٌ، ولتقدُّم ما يُشعر به في قوله:لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ } [الأنعام: 8].

ومعَقِّبات: جمع " مُعَقِّب " بزنة مُفَعِّل، مِنْ عَقَّب الرجلُ إذا جاء على عَقِب الآخر؛ لأنَّ بعضَهم يعَقِّب بعضاً، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يتكلم به. وقال الزمخشري: " والأصلُ معْتَقِبات، فَأُدْغمت التاءُ في القاف كقوله:وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ } [التوبة: 90]، أي::المُعْتَذِرُون " ، ويَجوز " مُعَقِّبات " بكسر العين ولم يقرأ به. وقال الشيخ: " وهذا وهمٌ فاحشٌ لا تُدْغم التاءُ في القاف، ولا القاف في التاء، لا مِنْ كلمةٍ ولا مِنْ كلمتين، وقد نصَّ التصريفيون على أن القافَ والكاف كلٌ منهما يُدْغم في الآخر، ولا يدغمان في غيرهما، ولا يُدْغم غيرهما فيهما. وأمَّا تشبيهُه بقوله: { وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ } فلا يتعيَّن أن يكونَ أصلُه " المُعْتَذِرون " وقد تقدَّم توجيهُه، وأنه لا يتعيَّن ذلك فيه. وأمَّا قوله " ويجوز " مُعَقِّبات " بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أنَّ أصلَه " مُتَعَقِّبات " فأُدْغِمَت التاءُ في القافِ، وقد بيَّنَّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ " /.

وفي " مُعَقِّبات " احتمالان، أحدهما: أن يكون " مُعَقِّبة " بمعنى مُعَقِّب والتاء للمبالغة كعلاَّمَة ونسَّابة، أي: مَلَكٌ مُعَقِّبٌ، ثم جُمِع كعلاَّمات ونسَّابات. والثاني: أن يكون " مُعَقِّبة " صفةً لجماعة، ثم جُمِع هذا الوصفُ. وذكر ابن جرير أنَّ " مُعَقِّبة " جمعُ مُعَقِّب، وشبَّه ذلك برجل ورِجال ورجالات. قال الشيخ: " وليس كما ذَكَر، إنما ذلك كَجَمَل وجِمال وجِمالات، ومُعَقِّبة ومُعَقِّبات إنما هي كضاربةِ وضاربات.

السابقالتالي
2 3