Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }

قوله تعالى: { جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ }: العامَّة على " جَعَل " دون زيادة واو قبلها. وقرأ عبد اللَّه " وجَعَلَ " ، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّ الجوابَ محذوفٌ. والثاني: أن الواوَ مزيدةٌ في الجواب على رأيِ مَنْ يَرى ذلك، وهم الكوفيون والأخفش./ وقال الشيخ: " وقرأ عبداللَّه ـ فيما نقل الزمخشري ـ " وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه: أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذَّن مؤذِّن " ، وفي نَقْل ابن عطية " وجعل " بزيادة واوٍ في " جَعَل " ، دون الزيادة التي زادها الزمخشري بعد قوله: { فِي رَحْلِ أَخِيهِ } ، فاحتمل أن تكونَ الواوُ زائدةً على مذهب الكوفيين، واحتمل أن يكونَ جوابُ " لمَّا " محذوفاً تقديره: فَقَدها حافظُها، كما قيل: إنما أوحيَ إلى يوسفَ أن يَجْعل السقاية فقط، ثم إنَّ حافِظَها فَقَدَها فنادىٰ برأيه فيما ظهر له، ورجَّحه الطبري. وتفتيشُ الأوعية يَرُدُّ هذا القول ".

قلت: لم ينقلِ الزمخشري هذه الزيادةَ كلَّها قراءةً عن عبد اللَّه، إنما جعل الزيادةَ المذكورةَ بعد قوله: " رَحْل أخيه " تقديرَ جوابٍ مِنْ عنده، وهذا نصُّه: قال الزمخشري: " وقرأ ابن مسعود " وجَعَل السِّقاية " على حَذْفِ جواب " لمَّا " كأنه قيل: فلمَّا جَهَّزهم بجهَازهم وجعل السِّقاية في رَحْل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذَّن مؤذِّن " فهذا من الزمخشري إنما هو تقديرٌ لا تلاوةٌ منقولة عن عبد اللَّه، ولعله وقع للشيخِ نسخةٌ سقيمة.

والسِّقاية: إناءٌ مستطيل يُسْقَىٰ به وهو الصُّواع، وللمفسرين فيه خلافٌ طويل.

قوله: { أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ } منادَىٰ حُذِفَ منه حرفُ النداء والعِيْر مؤنث، ولذلك أتَتْ " أيّ " المُتَوَصَّلُ بها إلى ندائه. والعِيْر فيها قولان، أحدهما: أنها في الأصلِ جماعةُ الإِبل سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَعِيْر، أي: تَذْهَبُ وتجيء به. والثاني: أنها في الأصل قافلة الحمير كأنها جمع عَيْر، والعَيْر: والعَيْر: الحمار. قال:
2808 ـ ولا يُقيم على ضَيْمٍ يُرادُ به   إلا الأَذَلاَّن عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
والأصل: عَيْر وعُيْر بضم العين ثم فَعِل به ما فُعِل بـ " بِيض " ، والأصل: بُيْض بضم الأول، ثم أُطْلِقَ العِير على كل قافلة حميراً كنَّ أو غيرَها، وعلى كل تقدير فنسبةُ النداء إليها على سبيل المجاز، لأنَّ المنادى في الحقيقة أهلُها. ونَظَّره الزمخشري بقوله: " يا خيلَ اللَّهِ اركبي " ، إلا أنه في هذه الآية التفت إلى المضاف المحذوف في قوله: " إنكم لسارقون " ولم يَلْتفت إليه في " يا خيل اللَّه اركبي " ، ولو التفت لقال: اركبوا. ويجوزُ أن يُعَبَّر عن أهلها للمجاورة فلا يكونُ مِنْ مجازِ الحَذْف، بل من مجازِ العَلاقة.

السابقالتالي
2