Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قوله تعالى: { قِيلَ يٰنُوحُ }: الخلافُ المتقدم في قولهوَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ } [البقرة: 13] وشبهِه عائدُ هنا، أي: في كونِ القائمِ مقامَ الفاعل الجملة المحكيةَ أو ضميرَ مصدرِ الفعل.

قوله: { بِسَلاَمٍ } حال من فاعل " اهبط " ، أي: ملتسباً بسلام. و " منا " صفةٌ لـ " سلام " فيتعلَّق بمحذوف أو هو متعلقٌ بنفسِ سلام، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، وكذلك " عليك " يجوز أن يكونَ صفةً لبركات أو متعلقاً بها.

قوله: { مِّمَّن مَّعَكَ } يجوزُ في " مَنْ " أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر، ويجوزُ أن تكونَ " مِنْ " لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعاتٍ. وقُرىء " اهبُط " بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة. وقرأ الكسائي ـ فيما نُقِل عنه ـ " وبركة " بالتوحيد.

قوله: { وأُمَمٍ } يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و " سنمتِّعهم " خبره، وفي مسوِّغ الابتداءِ وجهان، أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي: ممَّن معك كقولهم " السَّمْن مَنَوان بدرهم " فمنوان مبتدأٌ وُصِف بـ " منه " تقديراً. والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: " الناسُ رجلان: رجلٌ أَهَنْتُ، وآخَرُ أكرمتُ " ومنه قولُ امرىء القيس:
2670 ـ إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ له   بشقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّل
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في " اهبط " وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء قال الشيخ: " وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله: " ومَنْ آمنَ " ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورِين بالهبوط، إلا إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ ". قلت: وقد تقدَّم أنَّ مثلَ ذلك لا يجوز، في قولٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ } [البقرة: 35] لأمرٍ صناعي، و " سنمتِّعُهم " على هذا صفةٌ لـ " أمم " ، والواوُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش: " كما تقول: " كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس " ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَق ".