Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الدر المصون/السمين الحلبي (ت 756 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّآ أَلْقَواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ }

قوله تعالى: { مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ }: قرأ أبو عمرو وحده دون باقي السبعة " آلسحرُ " بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الداخلةِ على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بينَ بينَ، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: { ءَآلذَّكَرَيْنِ } [الأنعام: 143] وهي قراءةُ مجاهدٍ وأصحابه وأبي جعفر. وقرأ باقي السبعة بهمزةِ وصلٍ تَسْقط في الدَّرْج. فأمَّا قراءة أبي عمرو ففيها أوجهٌ، أحدها: أنَّ " ما " استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " جِئْتُمْ به " الخبرُ، والتقديرُ: أيُّ شيءٍ جئتم، كأنه استفهامُ إنكارٍ وتقليلٌ للشيءِ المُجَاء به. و " السحر " بدلٌ من اسم الاستفهام، ولذلك أُعِيد معه أداتُه لما قرَّرْتُه في كتب النحو. الثاني: أن يكون " السحر " مبتدأً خبرُه محذوف، تقديره: أهو السحر. الثالث: أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر تقديره: السحر هو. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكي، وفيهما بُعد. الرابع: أن تكونَ " ما " موصولةً بمعنى الذي، وجئتم به صلتُها، والموصولُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " السحر " على وجهيه من كونِه خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأً محذوفَ الخبر، تقديره: الذي جئتم به/ أهو السحر، أو الذي جئتم به السحر هو، وهذا الضميرُ هو الرابط كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو، قاله الشيخ.

قلت: قد منع مكي أن تكونَ " ما " موصولةً على قراءة أبي عمرو فقال: " وقد قرأ أبو عمرو " آلسحرُ " بالمد، فعلى هذه القراءةِ تكون " ما " استفهاماً مبتدأ، و " جئتم به " الخبر، و " السحر " خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ " ما " بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذا لا خبر لها ". قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةً إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو، لكنهما لم يتعرَّضا لعدمِ جوازه.

الخامس: أن تكونَ " ما " استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و " جئتم به " مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و " السحر " على ما تقدم، ولو قرىء بنصب " السحر " على أنه بدلٌ مِنْ " ما " بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء].

وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون " ما " بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و " جئتم به " صلةٌ وعائدُه، و " السحرُ " خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: { ما أتيتم به سحرٌ } وقراءةُ عبد الله والأعمش { مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ }.

السابقالتالي
2 3