{ قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا } أي شرّعه وسنّه { فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ } على عذابنا. وقال ابن مسعود: يعني حيات وأفاعي. { وَقَالُواْ } يعني صناديد قريش وهم في النار { مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ } في دار الدُّنيا، يعني فقراء المؤمنين { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً }. قرأ أهل العراق إلاّ عاصماً وأيوب: بوصل الألف، واختاره أبو عبيد قال: من جهتين: أحديهما: أنّ الاستفهام متقدم في قوله: (مالنا لانرى رجالاً). والأُخرى: أنَّ المشركين لم يكونوا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدُّنيا سخرياً، فكيف يستفهمون عمّا قد عملوه. ويكون على هذه القراءة بمعنى بل. وقرأ الباقون: بفتح الألف وقطعها على الإستفهام وجعلوا (أم) جواباً لها مجازاً: اتخذناهم سخرياً في الدُّنيا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار. { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار } فلا نراهم وهم في النار، ولكن احتجبوا عن أبصارنا. وقال الفراء: هو من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ، فهو يجوز باستفهام ويطرحه. وقال ابن كيسان: يعني أم كانوا خيراً منّا ولانعلم نحن بذلك، فكانت أبصارنا تزيغ منهم في الدُّنيا فلا نعدهم شيئاً. أخبرنا أبو بكر الحمشادي قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله ابن مسلم قال: حدثنا عصمة بن سليمان الجرار عن يزيد عن ليث عن مجاهد { وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ }. قال: صهيب وسلمان وعمّار لانراهم في النار { أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً } في الدُّنيا { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار } في النار { إِنَّ ذَلِكَ } الذي ذكرت { لَحَقٌّ } ثم بيّن فقال: { تَخَاصُمُ } أي هو تخاصم { أَهْلِ ٱلنَّارِ } ومجاز الآية: أن تخاصم أهل النار في النار لحق { قُلْ } يا محمّد لمشركي مكة { إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ } مخّوف { وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ * قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ } يعني القرآن. عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة، وروى معمر عنه يوم القيامة، نظيرها{ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ } [النبأ: 1-2]. { أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في شأن آدم وهو قولهم حين قال الله سبحانه لهم:{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } [البقرة: 30] الآية هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن عبّاس عن النبي (عليه السلام) قال: " قال ربّي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى يعني الملائكة؟ فقلت: لا. قال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات: فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة: وأما الدرجات: فإفشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» ". { إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }. قال الفراء: ان شئت جعلت (أنما) في موضع رفع، كأنك قلت: ما يُوحى إليَّ إلاّ الانذار، وإن شئت جعلت المعنى ما يوحى إليَّ إلاّ لأني نذير مبين. وقرأ أبو جعفر (إنما) بكسر الألف، لأن الوحي قول.