Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشف والبيان / الثعلبي (ت 427 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } * { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } * { ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }

{ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } نزلت في عمرة بالقضاء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكّة عام الحديبية على أن ينصرف عامَه ذلك ويرجع العام القابل على أن يخلوا له مكّة ثلاثة أيام فيدخلها هو وأصحابه ويعمرون ويطوفون بالبيت ويفعلون ما أحبوا، على أن لا يدخلوها إلاّ بسلاح الراكب في عمرة ولا يخرجوا بأحد معهم من أهل مكّة، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام ورجع العام القابل في ذي القعدة ودخلوا مكّة واعتمروا وطافوا ونحروا وقاموا ثلاثة أيام فأنزل الله { ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ } ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكّة واعتمرتم وقضيتم مناسككم وطوافكم في سنة سبع { بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم من مرادكم في سنة ست.

والشهر مرفوع بالابتداء وخبره في قوله { ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ } { وَٱلْحُرُمَاتُ } جمع الحرمة كالظلمات جمع الظلمة والحجرات جمع الحجرة والحرمة ما يجب حفظه وترك إنتهاكه وإنّما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام { قِصَاصٌ } والقصاص المساواة والمماثلة: وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل { فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ } قاتلوه { بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } فسمي الجزاء باسم الابتداء على مقابلة الشرط { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ * وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } الآية، إعلم إن التهلكة: مصدر بمعنى الاهلاك وهو تفعله من الهلاك.

قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلاّ هذا.

وقال بعضهم: التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك.

ومعنى قوله { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } لا تأخذوا في ذلك.

ويقال: لكل من بدأ بعمل: قد القى يديه فيه.

قال لبيد يذكر الشمس:
حتّى إذا ألقت يداً في كافر   وأجّن عورات الثغور ظلامها
أي بدأت في المغيب.

قال المبرد: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } أراد أنفسكم فعبَّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالىذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [الحج: 10]فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] والباء في قوله بأيدكم زائدة كقولهتَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ } [المؤمنون: 20] قال الشاعر:
ولقد ملأت على نصيب جلده   مّساءة إن الصديق يعاتب
يريد ملأت جلده مساءة.

قالوا: والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلاّ في الشر.

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية.

فقال بعضهم: هذا في البخل وترك النفقة، يقول: وانفقوا في سبيل الله ولا تمسكوا الإنفاق في سبيل الله فان الامساك عند الانفاق في سبيل الله هو الهلاك وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة والضحاك وابن كيسان.

قال ابن عبّاس: في هذه الآية: إنفق في سبيل الله وإن لم تكن لك إلاَّ سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئاً.

السابقالتالي
2 3 4 5 6 7 8 9 10  مزيد