Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشف والبيان / الثعلبي (ت 427 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } * { وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ } * { وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } * { ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } * { وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } * { وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ } * { وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } * { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } * { فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }

{ وَٱللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً } يعني المطر { فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ } جدوبها ودروسها { إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } بسمع القلوب ولا بسمع الآذان.

{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً } لعظة { نُّسْقِيكُمْ }.

قرأ أهل المدينة وابن عامر ونافع وعاصم بفتح النون.

وقرأ الباقون بضمه. واختاره أبو عبيد قال: لأنه شراب دائم.

وحكى عن الكسائي أن العرب تقول: أسقيته نهراً وأسقيته لبناً إذا جعلت له سقياً دائماً، فإذا أراد أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناه.

وقال غيره: هما لغتان يدل عليه قول لبيد في صفة السقاية:
سقى قومي بني مجد وأسقى   نميراً والقبائل من هلال
فجمع بين اللغتين.

{ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } ولم يقل بطونها والأنعام جميع، قال المبرد: كناية إلى النعم والنعم والأنعام واحد ولفظ النعم، واستشهد لذلك برجز بعض الأعراب.

إذا رأيت أنجما من الأسد   جبهته أو الخراة والكند
بال سهيل في الفضيح ففسد   وطاب ألبان اللقاح فبرد
ولم يقل فبردت لانه رد إلى [اللبن أو الخراة].

قال أبو عبيدة والأخفش: النعم يذّكر ويؤنث فمن أنّث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ، ولأنه لا واحد له من لفظه.

وقال الشاعر يذكره:
أكل عام نِعَم تحوونه   يلقحه قوم وتنتجونه
إن له نخيل فلا يحمونه.

وقال الكسائي: ردَّ الكناية إلى المراد في بطون ماذكر.

وقال بعضهم: أراد بطون هذا الشيء، كقول الله:فَلَماَّ رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي } [الأنعام: 78] وقوله:وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } [النمل: 35] الآيةفَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ } [النمل: 36] ولم يقل: جاءت.

وقال: الصلتان العبدي.

إن السماحة والمرؤة ضمّنا   قبراً بمرو على الطريق الواضح
وقال الآخر:
وعفراء أدنى الناس مني مودة   وعفراء عني المعرض المتواني
وقال الآخر:
إذا الناس ناس والبلاد بغبطة   وإذ أُم عمّار صديق مساعف
كل ذلك على معنى هذا الشخص وهذا الشيء.

وقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه اللبن، إذ ليس لكلّها لبن وإنما يسقى من ذوات اللبن، فاللبن فيه مضمر.

{ مِن بَيْنِ فَرْثٍ } وهو ما في الكرش فإذا أُخرج منه لا يسمى فرثاً { وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً } خلص من الفرث والدم ولم يختلط بهما { سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ } جاهزاً هنيئاً يجرى في الحلق ولا يغص شاربه، وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط.

قال ابن عبّاس: إذا أكلت الدابة العلف واستقرّ في كرشها لحينه، وكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد [فما كان] على هذه الأصناف الثلاثة يقسم فيجري الدم في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو.

{ وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ } يعني ذلكم أيضاً عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ } الكناية في قوله: { مِنْهُ } عائدة إلى المذكورين.

{ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً }.

قال قوم: السكر: الخمر، والرزق الحسن: الخل والعنب والتمر والزبيب، قالوا: وهذا قول تحريم الخمر، وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود وابن عمرو وسعيد بن جبير وأيوب وإبراهيم والحسن ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والكلبي، وهي رواية عمرو بن سفيان البصري عن ابن عبّاس قال: السكر: ماحرم من ثمرتها، والرزق الحسن: ما حل من ثمرتهما.

السابقالتالي
2 3 4