Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير الكشف والبيان / الثعلبي (ت 427 هـ) مصنف و مدقق


{ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } * { وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } * { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } * { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } * { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } * { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } * { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } * { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ } * { يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } * { لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }

{ وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلـٰهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَٱرْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ } الطاعة والإخلاص.

{ وَاصِباً } دائماً ثابتاً.

وقال ابن عبّاس: واجباً، تعني الآية أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع عنه بزوال أو هلاك غير الله عزّ وجلّ، فإن الطاعة تدوم له وتصيب واصباً على القطع.

قال أبو الأسود الدؤلي:
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه   يوماً بذم الدهر أجمع واصباً
أي دائماً.

وقال الفراء: ويقال خالصاً.

{ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُم }.

قال الفراء: (ما) في معنى الجزاء ولها فعل مضمر، كأنه قال: وما يكون لكم من نعمة فمن الله.

{ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ } [.....] أن لاّ تتقوا سواه { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ } لذلك دخلت الفاء في قوله: { فَمِنَ ٱللَّهِ }.

{ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } يصيحون بالدعاء ويضجون بالاستغاثة. وأصله من جؤار الثور إذا رفع صوتاً شديداً من جوع أو فزع. قال القتيبي يصف بقرة:
فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة   وكأن النكير أن تضيف وتجأرا
{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } بعد ما خلصوا له بالدعاء في حال البلاء { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ } كفروا نعمته فيما أعطيناهم من النعماء وكشف الضرّ والبلاء { فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وهذا وعيد لهم.

{ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } له نفعاً ولا فيه ضراً ولا نفعاً { نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ } من الأموال وهو ما حملوا لأوثاونهم من هديهم وأنعامهم نظيره قولههَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا } [الأنعام: 136].

ثمّ رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: { تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ } يوم القيامة { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } في الدنيا { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ } وهم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه.

{ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين، وفي قوله: { مَا } وجهان من الأعراب: أحدهما الرفع على الابتداء، ومعنى الكلام: يجعلون لله البنات ولهم البنين، والثاني: النصب عطفاً على البنات تقديره: ويجعلون لله البنات ويجعلون لهم البنين الذي يشتهون.

{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً } من الكراهة { وَهُوَ كَظِيمٌ } ممتليء غماً وغيظاً { يَتَوَارَىٰ } يخفى ويغيب { مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } من الخزي والعار والحياء ثمّ يتفكر { أَيُمْسِكُهُ } ذكر الكناية لأنه مردود إلى (ما) { عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ } يخفيه { فِي ٱلتُّرَابِ } فيئده.

وذلك أن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون الإناث أحياء زعموا خوف الفقر عليهن وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت يستحييها بذلك، ولذلك قال الفرزدق:
ومنا الذي منع الوائدات   فأحيا الوئيد فلم يوأد
{ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما [يجعلون لله الإناث] ولأنفسهم البنين، نظيره قوله تعالى:أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } [النجم: 21ـ22].

{ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ } يعني لهؤلاء الواضعين لله سبحانه البنات { مَثَلُ ٱلسَّوْءِ } احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم أو قتلهم إياها خوف الفقر وإقراراً على أنفسهم بالهتك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكبر الكبائر أن تدعو لله ندّاً وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك ".

{ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ } الصفة العليا وهي التوحيد والإخلاص.

وقال ابن عبّاس: مثل السوء: النار، والمثل الأعلى: شهادة أن لا إله إلاّ الله.

{ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }.