Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } * { إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

{ يأيها الذين آمنوا } رجوعٌ إلى حث المؤمنين وتجريدِ عزائمِهم على قتال الكفرةِ إثرَ بـيان طرَفٍ من قبائحهم الموجبةِ لذلك { مَا لَكُمْ } استفهامٌ فيه معنى الإنكارِ والتوبـيخ { إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ } تباطأتم وتقاعستم أصلهُ تثاقلتم وقد قرىء كذلك، أي أيُّ شيءٍ حصل أو حاصلٌ لكم أو ما تصنعون حين قال لكم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم: «انفِروا» أي اخرُجوا إلى الغزو في سبـيل الله متثاقلين، على أن الفعلَ ماضٍ لفظاً مضارعٌ معنىً كأنه قيل: تتثاقلون، فالعاملُ في الظرف الاستقرارُ المقدرُ في لكم أو معنى الفعلِ المدلولِ عليه بذلك ويجوز أن يعملَ فيه الحالُ أي ما لكم متثاقلين حين قيل لكم: انفِروا وقرىء أَثّاقلتم على الاستفهام الإنكاريِّ التوبـيخيِّ، فالعاملُ في الظرف حينئذ إنما هو الأول { إِلَى ٱلأَرْضِ } متعلقٌ باثاقلتم على تضمينه معنى المَيْلِ والإخلادِ أي اثاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتِها الفانيةِ عما قليل، وكرِهتم مشاقَّ الغزوِ ومتاعبَه المستتبِعةَ للراحة الخالدة، كقوله تعالى:أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } [الأعراف: 176] أو إلى الإقامة بأرضكم وديارِكم وكان ذلك في غزوة تبوكَ في سنة عشرٍ بعد رجوعِهم من الطائف استُنفِروا في وقت عُسرةٍ وقَحطٍ وقَيْظ، وقد أدركت ثمارُ المدينة وطابت ظلالُها مع بعد الشُّقةِ وكثرةِ العدوِّ فشق عليهم ذلك، وقيل: ما خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا ورَّى بغيرها إلا في غزوة تبوكَ فإنه عليه الصلاة والسلام بـيّن لهم المقصِدَ فيها ليستعدوا لها { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وغرورِها { مِنَ ٱلأَخِرَةِ } أي بدلَ الآخرة ونعيمِها الدائم { فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } أظهر في مقام الإضمارِ لزيادة التقرير أي فما التمتعُ بها وبلذائذها { فِى ٱلأَخِرَةِ } أي في جنب الآخرة { إِلاَّ قَلِيلٌ } أي مستحقَرٌ لا يُؤبَه له، وفي ترشيح الحياةِ الدنيا بما يُوذِن بنفاستها ويستدعي الرغبةَ فيها وتجريدِ الآخرة عن مثل ذلك مبالغةٌ في بـيان حقارة الدنيا ودناءتِها وعِظَمِ شأن الآخرةِ وعلوِّها { إِلاَّ تَنفِرُواْ } أي إن لا تنفِروا إلى ما استُنفرتم إليه { يُعَذّبُكُم } أي الله عز وجل { عَذَاباً أَلِيماً } أي يُهلكْكم بسبب فظيعٍ هائل كقَحط ونحوِه { وَيَسْتَبْدِلْ } بكم بعد إهلاكِكم { قَوْماً غَيْرَكُمْ } وصفهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيدِ والتشديد في التهديد بالدِلالة على المغايرةِ الوصفيةِ والذاتيةِ المستلزِمة للاستئصال، أي قوماً مطيعين مُؤْثرين للآخرة على الدنيا ليسوا من أولادكم ولا أرحامِكم كأهل اليمنِ وأبناءِ فارسَ، وفيه من الدِلالة على شدة السُّخط ما لا يخفى { وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } أي لا يقدح تثاقلُكم في نُصرة دينِه أصلاً فإنه الغنيُّ عن كل شيءٍ في كل شيءٍ، وقيل: الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل وعده بالعصمة والنصرةِ وكان وعدُه مفعولاً لا محالة { وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على إهلاككم والإتيانِ بقوم آخرين.