Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ } * { مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ }

{ يأيها الذين آمنوا } خطابٌ عام يندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً وقيل: لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوكَ خاصة { ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولاً أولياً { وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في إيمانهم وعهودِهم أو في دين الله نيةً وقولاً وعملاً أو في كل شأنٍ من الشؤون فيدخل ما ذُكر، أو في توبتهم وإنابتهم فيكون المرادُ بهم حينئذ هؤلاء الثلاثةَ وأضرابَهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لمن آمن من أهل الكتابِ أي كونوا مع المهاجرين والأنصارِ وانتظِموا في سلكهم في الصدق وسائرِ المحاسن، وقرىء من الصادقين.

{ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } ما صح وما استقام لهم { وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ } كمزينةَ وجهينةَ وأشجعَ وغِفارٍ وأضرابهِم { أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } عند توجهِه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو { وَلاَ يَرْغَبُواْ } على النصب وقد جُوِّز الجزمُ { بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } أي لا يصرِفوها عن نفسه الكريمةِ ولا يصونوها عما لم يصُن عنه نفسَه بل يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والخطوب، والكلامُ في معنى النهي وإن كان على صورة الخبر { ذٰلِكَ } إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلامُ من وجوب المشايعة { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } أي عطشٌ يسير { وَلاَ نَصَبٌ } ولا تعب ما { وَلاَ مَخْمَصَةٌ } أي مجاعةٌ وهي ما لا يستباح عنده المحرمات من مراتبها، فإن الظمأَ والنصبَ اليسيرين حين لم يخلُوَا من الثواب فلأَنْ لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا، ويجوز أن يراد بها تلك المرتبةُ ويكونُ الترتيبُ بناءً على كثرة الوقوع وقِلّته فإن الظمأَ أكثرُ وقوعاً من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيطُ كلمةِ لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كلِّ واحدٍ منها بالفضيلة والاعتداد به { فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وإعلاء كلمتِه { وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ } أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافِر خيولِهم وأخفافِ رواحلِهم دَوْساً أو مكاناً يداس { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } مصدرٌ كالقتل والأسرِ والنهب أو مفعول أي شيئاً يُنال من قِبَلهم { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ } أي بكل واحدٍ من الأمور المعدودة { عَمَلٌ صَالِحٌ } وحسنةٌ مقبولةٌ مستوجبةٌ بحكم الوعد الكريمِ للثواب الجميلِ ونيل الزُّلفى، والتنوينُ للتفخيم وكونُ المكتوبِ عينَ ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخولَ الباء، فإن اختلافَ العنوان كافٍ في ذلك { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } على إحسانهم، تعليلٌ لما سلف من الكتب والمرادُ بالمحسنين إما المبحوثُ عنهم ووضعُ المظهرِ موضِعَ المضمرِ لمدحهم والشهادةِ عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالَهم من قبـيل الإحسانِ وللإشعار بعلية المأخَذ للحكم، وإما جنسُ المحسنين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً.