Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ } * { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ }

{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالله وحده، أي ما صح لهم في حكم الله عز وجل وحكمتِه وما استقام { أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } به سبحانه { وَلَوْ كَانُواْ } أي المشركين { أُوْلِى قُرْبَىٰ } أي ذوي قرابةٍ لهم، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة أخرى قبلها محذوفةٍ حذفاً مطّرداً كما بُـيّن في قوله تعالى:وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } [التوبة: 32] ونظائرِه. روي " أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبـي طالب لما حضرتْه الوفاةُ: " يا عمّ قل كلمةً أحُاجُّ لك بها عند الله " فأبـي فقال عليه الصلاة والسلام: " لا أزال أستغفرُ لك ما لم أُنُهَ عنه " فنزلت. وقيل: لما افتتَح مكةَ خرج إلى الأبواء فزار قبرَ أمِّه ثم قام مستعبِراً فقال: " إني استأذنتُ ربـي في زيارة قبرِ أمّي فأذِن لي، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي، وأنزل علي الآيتين " { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } أي للنبـي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين { أَنَّهُمْ } أي المشركين { أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحيُ بأنهم يموتون على ذلك { وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ } بقوله:وَٱغْفِرْ لأَبِى } [الشعراء: 86] والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق ودفعِ ما يتراءى بحسب الظاهرِ من المخالفة، وقرىء وما استغفر إبراهيمُ لأبـيه، وقرىء وما يستغفر إبراهيمُ على حكاية الحال الماضية وقوله تعالى: { إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } استثناءٌ مفرَّعٌ من أعم العللِ أي لم يكن استغفارُه عليه السلام لأبـيه آزرَ ناشئاً عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة { وَعَدَهَا } إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام { إِيَّـٰهُ } أي أباه وقد قرىء كذلك بقوله:لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [الممتحنة: 4] وقولِه:سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } [مريم: 47] بناءً على رجاء إيمانِه لعدم تبـيُّنِ حقيقةِ أمرِه وإلا لما وعدها إياه كأنه قيل: وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبـيه إلا عن موعدة مبْنيةٍ على عدم تبـيُّنِ أمرِه كما ينبىء عنه قولُه تعالى: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي لإبراهيمَ بأن أوحِيَ إليه أنه مُصِرٌّ على الكفر غيرُ مؤمنٍ أبداً، وقيل: بأن مات على الكفر والأولُ هو الأنسبُ بقوله تعالى: { أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } فإن وصفَه بالعداوة مما يأباه حالةُ الموت { تَبَرَّأَ مِنْهُ } أي تنزّه عن الاستغفار له وتجانبَ كلَّ التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائرِه { إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ } لكثيرُ التأوّهِ وهو كنايةٌ عن كمال الرأفةِ ورقةِ القلب { حَلِيمٌ } صبورٌ على الأذية والمحنة، وهو استئنافٌ لبـيان ما كان يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار، وفيه إيذانٌ بأن إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كان أواهاً حليماً فلذلك صدَر عنه ما صدر من الاستغفار قبل التبـينِ فليس لغيره أن يأتسيَ به في ذلك، وتأكيدٌ لوجوب الاجتناب عنه بعد التبـين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبـينِ وهو في كمال رقةِ القلبِ والحلم، فلا بد أن يكون غيرُه أكثرَ منه اجتناباً وتبرُّؤاً، وأما أن الاستغفارَ قبل التبـينِ لو كان غيرَ محظورٍ لما استُثنيَ من الائتساء به في قوله تعالى:إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } [الممتحنة: 4] فقد حُقق في سورة مريم بإذن الله تعالى.