Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } * { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } * { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }

{ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } بإظهار السلم وإبطالِ الحراب { فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } أي فاعلم بأن محسبك الله من شرورهم وناصرُك عليهم { هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } تعليلٌ لكفايته تعالى إياه عليه الصلاة والسلام بطريق الاستئنافِ، فإن تأيـيدَه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام فيما سلف على ما ذكر من الوجه البعيدِ من الوقوع من دلائل تأيـيدِه تعالى فيما سيأتي أي هو الذي أيدك بإمداد مِنْ عنده بلا واسطة كقوله تعالى:وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 126] أو بالملائكة مع خَرقه للعادات { وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } من المهاجرين والأنصار { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } مع ما كان بـينهم قبل ذلك من العصبـية والضغينة والتهالُك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة، وهذا من أبهر معجزاتِه عليه الصلاة والسلام { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } أي لتأليف ما بـينهم { مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } استئنافٌ مقررٌ لما قبله ومبـين لعزة المطلبِ وصعوبةِ المأخذ أي تناهي التعادي فيما بـينهم إلى حد لو أنفقٌ منفقٌ في إصلاح ذاتِ البـين جميعَ ما في الأرض من الأموال والذخائر لم يقدِرْ على التأليف والإصلاحِ، وذكرُ القلوب للإشعار بأن التأليفَ بـينها لا يتسنى وإن أمكن التأليفُ ظاهراً { وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } قلباً وقالَباً بقدرته الباهرة { إِنَّهُ عَزِيزٌ } كاملُ القدرةِ والغلبة لا يستعصي عليه شيءٌ مما يريده { حَكِيمٌ } يعلم كيفيةَ تسخيرِ ما يريده وقيل: الآيةُ في الأوس والخزرج كان بـينهم إِحَنٌ لا أمدَ لها ووقائعُ أفنت ساداتِهم وأعاظِمَهم ودقت أعناقَهم وجماجمَهم فأنسى الله عز وجل جميع ذلك وألف بـينهم بالإسلام حتى تصافَوا وأصبحوا يرمون عن قوس واحدة وصاروا أنصاراً.

{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ } شروعٌ في بـيان كفايتِه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام في مادة خاصةٍ وتصديرُ الجملة بحرفي النداءِ والتنبـيهِ للتنبـيه على مزيد الاعتناءِ بمضمونها، وإيرادهُ عليه الصلاة والسلام بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم { حَسْبَكَ ٱللَّهُ } أي كافيك في جميع أمورِك أو فيما بـينك وبـين الكفرة من الحِراب { وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } في محل النصبِ على أنه مفعولٌ معه أي كفاك وكفي أتباعَك الله ناصراً كما في قول من قال:
[إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّت العصا]   فحسبُك والضحّاكَ عضْبٌ مهندُ
وقيل: في موضع الجر عطفاً على الضمير كما هو رأيُ الكوفيـين أي كافيك وكافيهم أو في محل الرفعِ عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنين والآيةُ نزلت في البـيداء في غزوة بدرٍ قبل القتالِ. وقيل: أسلم مع النبـي صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً وستُّ نسوةٍ ثم أسلم عمرُ رضى الله عنه فنزلت ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه.