Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } * { فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ } * { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ }

{ فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلةُ لكن لا إثرَ ما قالوا بعد ما جرىٰ عليهم من مبادىء العذابِ في الأيام الثلاثةِ حسبما مر تفصيلُه { فأصبحوا في دارهم } أي صاروا في أرضهم وبلدِهم أو في مساكنهم { جاثمين } خامدين موتىٰ لا حَراكَ بهم، وأصلُ الجثومِ البروكُ، يقال: الناسُ جثومٌ أي قعود لا حَراك بهم ولا ينبِسون نبْسةً، قال أبو عبـيدة: الجثومُ للناس والطير، والبروكُ للإبل، والمرادُ كونُهم كذلك عند ابتداءِ نزولِ العذابِ بهم من غير اضطرابٍ ولا حركة كما يكون عند الموت المعتاد، ولا يخفى ما فيه من شدة الأخذِ وسرعةِ البطش.

اللهم إنا بك نعوذ من نزول سخطِك وحُلولِ غضبِك. وجاثمين خبرٌ لأصبحوا والظرفُ متعلقٌ به، ولا مساغ لكونه خبراً وجاثمين حالاً لإفضائه إلى كون الإخبارِ بكونهم في دارهم مقصوداً بالذات وكونِهم جاثمين قيداً تابعاً له غيرَ مقصودٍ بالذات. قيل: حيث ذُكرت الرجفةُ وُحِّدت الدارُ، وحيث ذُكرت الصيحةُ جمعت لأن الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكثرُ وأبلغُ من الزلزلة فقُرن كلٌّ منهما بما هو أليقُ به { فتولى عنهم } إثرَ ما شاهد ما جرى عليهم تولى مغتماً متحسّراً على ما فاتهم من الإيمان متحزناً عليهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربـي ونصحت لكم } بالترغيب والترهيبِ وبذلتُ فيكم وُسْعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك وصيغةُ المضارع في قوله تعالى: { ولكن لا تحبون الناصحين } حكايةُ حالٍ ماضيةٍ أي شأنُكم الاستمرارُ على بغض الناصحين وعداوتِهم، خاطبهم عليه الصلاة والسلام بذلك خطابَ رسولِ الله عليه الصلاة والسلام أهلَ قلَيبِ بدرٍ حيث قال: " إنا وجدْنا ما وعدنا ربُّنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ " وقيل: إنما تولى عنهم قبل نزولِ العذاب بهم عند مشاهدتِه عليه الصلاة والسلام لعلاماته تولى ذاهباً عنهم منكراً لإصرارهم على ما هم عليه. وروي أن عَقرَهم الناقةَ كان يوم الأربِعَاءِ ونزل بهم العذابُ يوم السبت، وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخانَ ساطعاً فعلم أنهم قد هلَكوا وكانوا ألفاً وخمسَمائةِ دارٍ، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارَهم.

{ ولوطاً } منصوبٌ بفعل مضمر على ما سبق، وعدمُ التعرُّضِ للمرسل إليهم مقدماً على المنصوب حسبما وقع فيما سبق وما لحِق قد مر بـيانُه في قصة هودٍ عليه السلام، وهو لوطُ بنُ هارانَ بن تارح بنُ أخي إبراهيمَ كان من أرض بابلَ من العراق مع عمه إبراهيمَ فهاجر إلى الشام فنزل فلسطينَ وأنزل لوطاً الأردُنّ وهي كورةٌ بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سَدومَ وهي بلدٌ بحِمْصَ، وقوله تعالى: { إذ قال لقومه } ظرفٌ للمضمر المذكورِ أي أرسلنا لوطاً إلى قومه وقت قولِه لهم الخ، ولعل تقيـيدَ إرسالِه عليه السلام بذلك لما أن إرسالَه إليهم لم يكن في أول وصولِه إليهم، وقيل: هو بدلٌ من لوطاً بدلَ اشتمالٍ على أن انتصابَه باذكر، أي اذكرْ وقتَ قولِه عليه السلام لقومه: { أتأتون الفاحشة } بطريق الإنكارِ التوبـيخيِّ التقريعيِّ أي أتفعلون تلك الفعلةَ المتناهيةَ في القبح المتماديةِ في الشرية والسوء { ما سبقكم بها } ما عمِلها قبلكم على أن الباء للتعدية كما في قوله تعالى: { من أحد } مزيدةٌ لتأكيد النفي وإفادةِ معنى الاستغراقِ، وفي قوله تعالى: { من العالمين } للتبعيض، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقة لتأكيد النكيرِ وتشديدِ التوبـيخِ والتقريعِ، فإن مباشرةَ القبـيحِ قبـيحٌ واختراعَه أقبحُ، ولقد أنكر الله تعالى عليهم أولاً إتيانَ الفاحشةِ ثم وبخهم بأنهم أولُ من عمِلها فإن سبكَ النظمِ الكريمِ وإن كان على نفي كونِهم مسبوقين من غير تعرّضٍ لكونهم سابقين، لكن المرادَ أنهم سابقون لكل مَنْ عداهم من العالمين كما مر تحقيقه مراراً في نحو قوله تعالى:

السابقالتالي
2