Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ }

وقوله تعالى: { أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا } عطفٌ على تقولوا و(أو) لمنع الخلوّ دون الجمعِ، أي هم اخترعوا الإشراكَ وهم سنّوه { مِن قَبْلُ } أي من قبل زمانِنا { وَكُنَّا } نحن { ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ } لا نهتدي إلى السبـيل ولا نقدِر على الاستدلال بالدليل { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ } من آبائنا المُضلّين بعد ظهور أنهم المجرمون ونحن عاجزون عن التدبـير والاستبدادِ بالرأي، أو أتؤاخذنا فتهلكنا الخ، فإن ما ذكر من استعدادهم الكاملِ يسُدّ عليهم بابَ الاعتذار بهذا أيضاً فإن التقليدَ عند قيامِ الدلائلِ والقدرةِ على الاستدلال بها مما لا مساغَ له أصلاً.

هذا وقد حُملت هذه المقاولة على الحقيقة كما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما من أنه لما خلق الله تعالى آدم عليه السلام مسحَ ظهرَه فأخرج منه كلَّ نسَمةٍ هو خالقُها إلى يوم القيامة فقال: ألستُ بربكم قالوا: بلى فنودي يومئذ جَفّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. وقد روي عن عمر رضى الله عنه أنه سئل عن الآية الكريمة فقال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل عنها فقال: " إن الله تعالى خلق آدمَ ثم مسحَ ظهرَه بـيمينه فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهلِ الجنة يعملون، ثم مسح ظهرَه فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهلِ النار يعملون " ، وليس المعنى أنه تعالى أخرج الكلَّ من ظهره عليه الصلاة والسلام بالذات بل أخرج من ظهره عليه السلام أبناءَه الصُّلبـية ومن ظهرهم أبناءَهم الصلبـية وهكذا إلى آخر السلسلة لكن لما كان المظهرُ الأصليُّ ظهرَه عليه الصلاة والسلام وكان مَساقُ الحديثين الشريفين بـيانَ حال الفريقين إجمالا من غير أن يتعلق بذكر الوسائطِ غرضٌ على نسب إخراجِ الكلِّ إليه، وأما الآيةُ الكريمة فحيث كانت مسوقةً للاحتجاج على الكفرة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبـيانِ عدمِ إفادةِ الاعتذارِ بإسناد الإشراكِ إلى آبائهم ـ اقتضى الحالُ نسبةَ إخراجِ كل واحدٍ منهم إلى ظهر أبـيهم من غير تعرّضٍ لإخراج الأبناءِ الصلبـيةِ لآدم عليه السلام من ظهره قطعاً، وعدمُ بـيان الميثاقِ في حديث عمرَ رضى الله تعالى عنه ليس بـياناً لعدمه ولا مستلزِماً له، وأما ما قالوا من أن أخذَ الميثاق لإسقاط عذرِ الغفلةِ حسبما ينطِق به قوله تعالى: { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ } ومعلوم أنه غيرُ دافع لغفلتهم في دار التكليفِ إذ لا فرْدَ من أفراد البشر يذكُر ذلك ـ فمردودٌ لكن لا بما قيل من أن الله عز وجل قد أوضح الدلائلَ على وحدانيته وصدقِ رسلهِ فيما أَخبروا به فمن أنكره كان معانداً ناقضاً للعهد ولزِمتْه الحُجة، ونسيانُهم وعدمُ حفظهم لا يُسقط الاحتجاجَ بعد إخبار المخبِرِ الصادقِ بل بأن قوله تعالى: { أَن تَقُولُواْ } الخ، ليس مفعولاً له لقوله تعالى: { وَأَشْهَدَهُمْ } وما يتفرع عليه من قولهم: (بلى شهِدنا) حتى يجب كونُ ذلك الإشهادِ والشهادة محفوظاً لهم في إلزامهم بل لفعل مضمر ينسحب عليه الكلامُ والمعنى فعلنا ما فعلنا من الأمر بذكر الميثاقِ وبـيانِه كراهةَ أن تقولوا أو لئلا تقولوا أيها الكفرةُ يوم القيامة: إنا كنا غافلين عن ذلك الميثاقِ لم نُنَبَّه عليه في دار التكليفِ وإلا لعمِلنا بموجبه.

السابقالتالي
2