Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } * { قَالَ أَلْقُوْاْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } * { وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } * { فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } * { فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ } * { وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ }

{ قَالُواْ } استئنافٌ كما مر كأنه قيل: فماذا فعلوا بعد ذلك؟ فقيل: قالوا متصدّين لشأنهم مخاطِبـين لموسى عليه السلام: { يٰمُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِىَ } ما تلقي أولاً { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ } أي لِما نُلقي أولاً، أو الفاعلين للإلقاء أولاً، خيّروه عليه السلام بالبدء بالإلقاءِ مراعاةً للأدب وإظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف حالُهم بالتقديم والتأخير، ولكن كانت رغبتُهم في التقديم كما ينبىء عنه تغيـيرُهم للنظم بتعريف الخبر، وتوسيطُ ضميرِ الفصل وتأكيدِ الضمير المتصل { قَالَ أَلْقَوْاْ } غيرَ مبالٍ بأمرهم أي ألقوا ما تُلقُون { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما ألقَوْا { سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } بأن خيّلوا إليهم ما لا حقيقةَ له { وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } أي بالغوا في إرهابهم { وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في بابه. روي أنهم ألقَوا حِبالاً غلاظاً وخشَباً طِوالاً كأنها حياتٌ ملأت الواديَ وركِبَ بعضُها بعضاً.

{ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } الفاءُ فصيحة أي فألقاها فصارت حيةً فإذا هي الآية وإنما حُذف للإشعار بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعةِ الانقلاب كأن لقْفَها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء، وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ اللقْفِ الهائلةِ والإفك الصِّرْفِ والقلب عن الوجه المعتاد، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ محذوفٌ أي ما يأفِكونه ويزوّرونه، أو مصدريةٌ وهي مع الفعل بمعنى المفعول. روي أنها لما تلقّفت مِلءَ الوادي من الخشب والحِبال ورفعها موسى فرجعت عصاً كما كانت وأَعدم الله تعالى بقدرته الباهرةِ تلك الأجرامَ العظامَ أو فرَّقها أجزاءً لطيفةً قالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقِيَتْ حبالُنا وعِصِيُّنا { فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ } أي فثبت لظهور أمره { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ظهر بطلانُ ما كانوا مستمرِّين على عمله { فَغُلِبُواْ } أي فرعونُ وقومُه { هُنَالِكَ } أي في مجلسهم { وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ } أي صاروا أذلاء مبهوتين أو رجَعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين، والأولُ هو الظاهرُ لقوله تعالى: { وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } فإن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً أي خروا سجداً كأنما ألقاهم مُلْقٍ لشدة خرورِهم كيف لا وقد بهرهم الحقُّ واضْطرّهم إلى ذلك.