Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ }

{ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } استئنافٌ مبـينٌ لما نشأ عنه ما سبق من النهي، وذلك إشارة إلى مصدر ما بعده من الفعل الذي هو عبارةٌ عن تقديمه تعالى لفقراء المؤمنين في أمر الدين بتوفيقهم للإيمان مع ما هم عليه في أمر الدنيا من كمال سوء الحال، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجة المشار إليه، وبُعْدِ منزلتِه في الكمال، والكاف مُقحَمَةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحلُها في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكّدٍ محذوف، والتقدير فتنا بعضَهم ببعض فتوناً كائناً مثلَ ذلك الفتون، ثم قُدّم على الفعل لإفادة القصْرِ المفيدِ لعدم القصور فقط، واعتُبرت الكافُ مُقحَمةً فصار نفسَ المصدرِ المؤكدِ لا نعتاً له. والمعنى ذلك الفتونَ الكاملَ البديعَ فتنّا، أي ابتلَينا بعضَ الناس ببعضهم لا فتوناً غيره، حيث قدمنا الآخِرين في أمر الدينِ على الأولين المتقدَّمين عليهم في أمر الدنيا تقدماً كلياً، واللام في قوله تعالى: { لّيَقُولواْ } للعاقبة، أي ليقول البعضُ الأولون مُشيرين إلى الآخِرين محقِّرين لهم نظراً إلى ما بـينهما من التفاوت الفاحشِ الدنيوي، وتعامياً عما هو مَناطُ التفضيلِ حقيقةً { أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } بأن وفّقهم لإصابة الحقِّ ولِما يُسعِدَهم عنده تعالى من دوننا، ونحن المقدَّمون والرؤساء، وهم العبـيدُ والفقراء، وغرضُهم بذلك إنكارُ وقوعِ المنِّ رأساً على طريقة قولِهم:لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } [الأحقاف، الآية 11] لا تحقيرُ الممنونِ عليهم مع الاعتراف بوقوعه بطريق الاعتراضِ عليه تعالى، وقولُه تعالى: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ } ردٌّ لقولهم ذلك وإبطال له، وإشارةٌ إلى أن مدارَ استحقاقِ الإنعامِ معرفةُ شأنِ النعمةِ والاعترافُ بحق المُنعِم، والاستفهامُ لتقرير علمه البالغِ بذلك، أي أليس الله بأعلمَ بالشاكرين لِنِعَمِه حتى تستبعِدوا إنعامَه عليهم؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاءَ عارفون بحقِّ نِعَم الله تعالى في تنزيل القرآنِ والتوفيقِ للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزلٍ من ذلك كله ما لا يخفى.