Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } * { كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }

{ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي لعنهم الله عز وجل، وبناءُ الفعل للمفعول للجَرْي على سَنن الكبرياء { مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ } متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من الموصول أو من فاعل كفروا، وقوله تعالى: { عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } متعلق بلُعن أي لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما، وقيل: إن أهل أَيْلةَ لما اعتدَوا في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخهم الله قردة، وأصحابُ المائدة لما كفروا قال عيسى عليه السلام: اللهم عذِّبْ من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذِّبْه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازيرَ وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبـي { ذٰلِكَ } إشارة إلى اللعن المذكور وإيثارُه على الضمير للتنبـيه على كمال ظهوره وامتيازِه عن نظائره وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: { بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } والجملة مستأنَفةٌ واقعة موقع الجواب عما نشأ من الكلام كأنه قيل: بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعنُ الهائل الفظيعُ بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر، كما يفيده الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل، وينبىء عنه قوله تعالى: { كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } فإنه استئناف مفيد بعبارته لاستمرار عدم التناهي عن المنكر، ولا يمكن استمرارُه إلا باستمرار تعاطي المنكرات، وليس المراد بالتناهي أن ينْهَى كلُّ واحد منهم الآخَرَ عما يفعله من المنكر كما هو المعنىٰ المشهورُ لصيغة التفاعل، بل مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهياً ومنهياً معاً، كما في تراءَوْا الهلالَ، وقيل: التناهي بمعنى الانتهاء، يقال: تناهىٰ عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه، فالجملة حينئذ مفسرةٌ لما قبلها من المعصية والاعتداء، ومفيدة لاستمرارهما صريحاً، وعلى الأول مفيدة لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر، بأن لا يوجد فيما بـينهم من يتولاه في وقت من الأوقات، ومن ضرورته استمرارُ فعل المنكر حسبما سبق، وعلى كل تقدير فما يفيده تنكيرُ المنكر من الوحدة نوعية لا شخصية، فلا يقدح وصفه بالفعل الماضي في تعلق النهْي به، لِما أن متعلَّق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما يتعلقُ به النهي، والانتهاء من مطلق المنكر ـ باعتبار تحقّقه في ضمن أي فرد كان من أفراده ـ على أن المضي المعتبر في الصفة إنما هو بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزمَ كونُ النهي بعد الفعل، فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المِثْل أو جعلِ الفعل عبارةً عن الإرادة، على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلا بد من المصير إلى أحد ما ذُكر من الوجهين، أو إلى تقدير المثل، أو إلى جعل الفعل عبارة عن إرادته، وفي كل ذلك تعسفٌ لا يخفى.

السابقالتالي
2