Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }

وقوله تعالى: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ } استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان ما صدر عنه قد أُدرج فيه عدمَ صدورِ القول المذكور عنه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، حيثُ حكم بانتفاء صدور جميع الأقوالِ المغايِرَةِ للمأمور به، فدخل فيه انفاءُ صدور القولِ المذكور دخولاً أولياً، أي ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به، وإنما قيل: (ما قلت لهم) نزولاً على قضية حسن الأدب، ومراعاةً لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى: { أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } تفسيرٌ للمأمور به، وقيل: عطفُ بـيانٍ للضمير في به، وقيل: بدلٌ منه، وليس من شرط البدل جوازُ طرحِ المُبْدَل منه مُطلقاً ليلزَمَ بقاءُ الموصول بلا عائد، وقيل: خبرُ مُضمرٍ أو مفعولُه مثلُ هو أو أعني. { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } رقيباً أراعي أحوالهم وأحمِلُهم على العمل بموجب أمرك، وأمنعهم عن المخالفة، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان { مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } ما مصدرية ظرفية تقدَّر بمصدرٍ مضافٍ إليه زمانٌ، ودمت صلتها، أي كنت شهيداً عليهم مدة دوامي فيما بـينهم { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى } بالرفع إلى السماء كما في قوله تعالى:إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } [آل عمران، الآية 55] فإن التوفيَ أخذُ الشيء وافياً، والموتُ نوع منه، قال تعالى:ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } [الزمر، الآية 42] { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } لا غيرَك، (فأنت) ضميرُ الفصل أو تأكيدٌ، وقرىء (الرقيبُ) بالرفع على أنه خبرُ (أنت) والجملة خبرٌ لكان وعليهم متعلق به، أي أنت كنت الحافظَ لأعمالهم والمراقبَ فمنعتَ من أردت عِصْمتَه عن المخالفة، بالإرشاد إلى الدلائل والتنبـيه عليها، بإرسال الرسل وإنزال الآياتِ، وخذَلْتَ من خذلتَ من الضالين فقالوا ما قالوا { وَأَنتَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٌ } اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله، فيه إيذانٌ بأنه تعالى كان هو الشهيدَ على الكل حين كونِه عليه السلام فيما بـينهم، و(على) متعلقةٌ بشهيد، والتقديم لمراعاة الفاصلة.