Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } * { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } * { وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } * { هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }

{ وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } أي أهلُ مكةَ ولم يُصالِحوكُم، وقيلَ: حلفاءُ خيبرَ { لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ } مُنهزمينَ { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحرسُهم { وَلاَ نَصِيراً } ينصرُهم { سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } أي سنَّ الله غلبةَ أنبـيائِه سنةً قديمةً فيمَنْ مَضَى منَ الأممِ. { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } أي تغيـيراً { وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ } أي أيديَ كُفارِ مكةَ { عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } أي في داخلِها { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } وذلكَ (أنَّ عكرمةَ بنَ أبـي جهلٍ خرجَ في خمسائةٍ إلى الحديبـيةِ فبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليدِ على جندٍ فهزَمَهُم حتى أدخلَهُم حيطانَ مكةَ ثم عادَ) وقيلَ: كانَ يومَ الفتحِ وبه استشهدَ أبو حنيفةَ على أنَّ مكةَ فتحتْ عنوةً لا صُلحاً. { وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من مقاتَلتهم وهزمِهم أولاً والكفِّ عنهم ثانياً لتعظيمِ بـيتِه الحرامِ. وقُرِىءَ بالياءِ. { بَصِيراً } فيجازيكُم بذلكَ أو يجازِيهم { هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ } بالنصبِ عطفاً على الضميرِ المنصوبِ في صدُّوكم. وقُرِىءَ بالجرِّ عطفاً على المسجدِ بحذفِ المضافِ أي ونحرِ الهَدْي، وبالرفعِ على معنى وصُدَّ الهَدْيُ، وقولُه تعالَى { مَعْكُوفاً } حالٌ من الهَدْي أي محبوساً.

وقولُه تعالَى: { أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } بدلُ اشتمالٍ من الهَدْي أو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أي محبوساً من أنْ يبلغَ مكانَهُ الذي يحلُّ فيهِ نحرُه، وبه استدلَّ أبُو حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى على أنَّ المُحَصَر مَحِلُّ هديهِ الحرمُ، قالُوا بعضُ الحديبـيةِ منَ الحرمِ. ورَويَ أنَّ خيامَهُ صلى الله عليه وسلم كانت في الحلِّ ومصلاَّهُ في الحرمِ. وهناكَ نحرتْ هداياهُ صلى الله عليه وسلم والمرادُ صدُّها عن محلَّها المعهودِ الذي هُو مِنىً.

{ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } لم تعرفُوهم بأعيانِهم لاختلاطِهم وهو صفةٌ لرجالٌ ونساءٌ. وقولُه تعالى: { أَن تَطَئُوهُمْ } أي تُوقعوا بهم وتُهلِكوهُم بدلُ اشتمالٍ منهُم أو من الضميرِ المنصوبِ في تعلمُوهم { فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } أي من جهتِهم { مَّعَرَّةٌ } أي مشقةٌ ومكروهٌ كوجوبِ الديةِ أو الكفارةِ بقتلِهم والتأسفِ عليهم وتعيـيرِ الكفارِ وسوءِ قالتِهم والإثمِ بالتقصيرِ في البحثِ عنهم وهي مَفْعَلةٌ من عَرَّهْ إذا عَرَاهُ ودَهَاهُ ما يكرهُهُ. { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلقٌ بأنْ تطؤهم أي غيرَ عالمينَ بهم وجوابُ لَولا محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليهِ، والمَعْنى لولا كراهةُ أن تُهلكُوا ناساً مؤمنينَ بـين الكافرينَ غيرَ عالمينَ بهم فيصيبَكُم بذلكَ مكروهٌ لَمَا كفَّ أيديَكُم عنْهم. وقوله تعالى { لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ } متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ الجوابُ المحذوفُ كأنَّه قيل عَقِيبَهُ لكن كفَّها عنهُم ليُدخلَ بذلك الكفِّ المؤدِّي إلى الفتحِ بلا محذورٍ في رحمتِه الواسعةِ بقسميَها. { مَن يَشَآء } وهم المؤمنونَ فإنَّهم كانُوا خارحينَ من الرحمةِ الدنيويةِ التي منْ جُمْلتِها الأمنُ مستضعفينَ تحت أيدِي الكفرةِ، وأما الرحمةُ الأخرويةُ فهم وإن كانُوا غيرَ محرومينَ منها بالمرةِ لكنهم كانُوا قاصرينَ في إقامةِ مراسمِ العبادةِ كما ينبغي فتوفيقُهم لإقامتِها على الوجهِ الأتمِّ إدخالٌ لهم في الرحمةِ الأخرويةِ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ من يشاءُ عبارةً عمنْ رغبَ في الإسلامِ من المشركينَ ويأباهُ قولُه تعالَى { لَوْ تَزَيَّلُواْ } الخ فإن فرضَ التنزيلِ وترتيبَ التعذيبِ عليه يقتضي تحققَ المباينةِ بـين الفريقينِ بالإيمانِ والكفرِ قبلَ التزيلِ حتماً أي لو تفرقُوا وتميَّز بعضُهم من بعضٍ. وقُرىءَ لو تزايلُوا { لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } بقتلِ مقاتِلِتهم وسبـيِ ذرارِيهم. والجملةُ مُستأنفةٌ مقررةٌ لما قبلَها.