Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } * { قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ }

{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } أمَلْناهم إليكَ وأقبلنا بهم نحوَكَ. وقُرِىءَ صرَّفَنا بالتشديدِ للتكثيرِ، لأنَّهم جماعةٌ، وهُو السرُّ في جمعِ الضميرِ في قولِه تعالى { يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } وما بعدَهُ، وهو حالٌ مقدرةٌ من نفراً لتخصصِه بالصفةِ، أو صفةٌ أُخرى لَه أي واذكُرْ لقومِكَ وقتَ صَرَفنا إليكَ نفراً كائناً من الجنِّ مقدَّراً استماعَهم القُرانَ. { فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي القرآنَ عند تلاوتهِ أو الرسولَ عند تلاوتِه له على الالتفاتِ والأولُ هو الأظهرُ. { قَالُواْ } أي قالَ بعضُهم لبعضٍ { أَنصِتُواْ } أي اسكتُوا لنسمعهُ { فَلَمَّا قُضِىَ } أُتمَّ وفُرغَ عن تلاوتِه، وقُرِىءَ على البناءِ للفاعلِ وهو ضميرُ الرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهذا يؤيدُ عودَ ضميرِ حضروه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ. { وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } مقدِّرينَ إنذارَهُم عند رجوعِهم إليهم. رُويَ أنَّ الجِنَّ كانتْ تسترق السمعَ فلما حُرستِ السماءُ ورُجموا بالشهبِ قالُوا ما هَذا إلا لنبأٍ حدثَ فنهضَ سبعةُ نفرٍ أو ستةُ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبـينَ أو نِينَوى، منُهم زوبعةُ فضربُوا حتى بلغوا تِهامةَ ثم اندفعُوا إلى وادِي نخلةَ فوافَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ في جوفِ الليلِ يُصلِّي أو في صلاةِ الفجرِ فاستمعُوا لقراءتِه وذلكَ عند منصرفِه من الطائفِ. و " عن سعيدِ بنِ جُبـيرٍ: ما قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجِنِّ ولا رآهُم وإنَّما كان يتلُو في صلاتِه فمرُّوا به فوقفُوا مستمعينَ وهو لا يشعرُ بهم فأنبأهُ الله تعالَى باستماعِهم. وقيلَ: بلْ أمرَهُ الله تعالى أنْ ينذرَ الجنَّ ويقرأَ عليهمِ فصرفَ إليه نَفَراً منهم جمعَهُم له فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: " إنِّي أُمرتُ أنْ أقرأَ على الجنِّ الليلةَ فمن يتبعُني قالَها ثلاثاً " فأطرقُوا إلا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ قالَ فانطلقنَا حتَّى إذَا كُنَّا بأعلى مكةَ في شِعب الجحونِ خطَّ لي خطَّاً، فقالَ: " لا تخرجْ منه حتَّى أعودَ إليكَ " ثم افتتحَ القرآنَ وسمعتُ لغطاً شديداً حتَّى خفتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغشيْتُه أسودةٌ كثيرة حالتْ بـيني وبـينَهُ حتى ما أسمعُ صوتَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ثم انقطعُوا كقطعِ السحابِ فقالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " هلْ رأيتَ شيئاً " قلتُ نعم رجالاً سُوداً مستشعرِي ثيابٍ بـيضٍ فقالَ: " أولئكَ جنُّ نَصيبـينَ وكانُوا اثني عشرَ ألفاً " والسورةُ التي قرأَها عليهم اقرأْ باسمِ ربِّك.

{ قَالُواْ } أي عندَ رجوعِهم إلى قومِهم { يٰقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } قيلَ: قالُوه لأنَّهم كانُوا على اليهوديةِ. وعنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا: إنَّ الجنَّ لم تكُن سمعت بأمرِ عِيْسَى عليه السَّلامُ. { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أرادُوا به التوراةَ { يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ } من العقائدِ الصحيحةِ { وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } مُوصلٍ إليهِ وهُو الشَّرائعُ والأعمالُ الصالحةُ.