Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } * { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } * { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ } * { مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } * { إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ }

{ فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا } خطابٌ لمن وعَدَهُم بالنُّشورِ من الرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنينَ { إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيمَا تعِدونه مِنْ قيامِ السَّاعةِ وبعثِ الموتَى ليظهر أنَّه حقٌّ وقيلَ: كانُوا يطلبونَ إليهم أنْ يدعُوا الله تعالى فينشُرَ لهم قُصَيَّ بنَ كلابٍ ليشاورُوه وكانَ كبـيرَهُم ومفزَعَهُم في المهمَّاتِ والملمَّاتِ.

{ أَهُمْ خَيْرٌ } ردٌّ لقولِهم وتهديدٌ لَهُم أيْ أهُم خيرٌ في القوةِ والمنعةِ اللتينِ يُدفعُ بهما أسبابُ الهلاكِ { أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } هو تبعٌ الحميريُّ الذي سارَ بالجيوشِ وحيَّر الحِيرةَ وبني سمرقندَ وقيل هدمَها وكان مؤمناً وقومُه كافرينَ ولذلكَ ذمَّهم الله تعالَى دونَهُ وكان يكتبُ في عنوانِ كتابِه بسمِ الله الذي ملكَ بحراً وبحراً أي بحاراً كثيرةً وعنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " لا تسبُّوا تُبعاً فإنَّه كانَ قد أسلمَ " وعنْهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " ما أدْرِي أكانَ تبعٌ نبـياً أو غيرَ نبـيَ " وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا: «أنَّه كانَ نبـياً». وقيلَ لملوكِ اليمنِ التبابعةِ لأنَّهم يُتبعونَ، كما يقالُ لهم الأقيالُ لأنَّهم يتقيَّلونَ. { وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } عطفٌ على قومُ تبعٍ والمرادُ بهم عادٌ وثمودُ وأضرابُهم من كلِّ جبَّارٍ عَنيدٍ أولي بأسٍ شديدٍ. والاستفهامُ لتقريرِ أنَّ أولئكَ أقوى مِنْ هؤلاءِ. وقولُه تعالَى { أَهْلَكْنَـٰهُمْ } استئنافٌ لبـيانِ عاقبةِ أمرِهم. وقولُه تعالَى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } تعليلٌ لإهلاكِهم ليَعلمَ أنَّ أولئكَ حيثُ أهُلكُوا بسببِ إجرامِهم معَ ما كانُوا في غاية القوةِ والشدةِ فلأنْ يَهلكَ هؤلاءِ وهم شركاءُ لهم في الإجرامِ أضعفُ منهم في الشدةِ والقوةِ أَوْلَى.

{ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي ما بـينَ الجنسينِ. وقُرِىءَ وما بـينهنَّ { لاَعِبِينَ } لاهينَ من غيرِ أنْ يكونَ في خلقِهما غرضٌ صحيحٌ وغايةٌ حميدةٌ. { مَا خَلَقْنَـٰهُمَا } وما بـينَهما { إِلاَّ بِٱلْحَقّ } استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ الأحوالِ أو أعمِّ الأسبابِ أي ما خلقناهُمَا ملتبساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملتبساً بالحقِّ أو ما خلقناهُمَا بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ الذي هُو الإيمانُ والطَّاعةُ والبعثُ والجزاءُ. { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنَّ الأمرَ كذلكَ فينكرون البعثَ والجزاءَ { إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ } أي فصلِ الحقِّ عن الباطلِ وتميـيزِ المحقِّ من المبطلِ أو فصلِ الرجلِ عن أقاربِه وأحبَّائِه { مِيقَـٰتُهُمْ } وقتَ موعدِهم { أَجْمَعِينَ } وقُرِىءَ ميقاتَهُم بالنصبِ على أنَّه اسمُ إنَّ ويوم الفصلِ خبرُها أي أنَّ ميعادَ حسابِهم وجزائِهم في يومِ الفصلِ.