Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } * { يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } * { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } * { ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } * { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } * { وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } * { لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ }

{ ٱلأَخِلاء } المتحابُّون في الدُّنيا على الإطلاقِ أو في الأمورِ الدُّنيويةِ { يَوْمَئِذٍ } يومَ إذْ تأتيهُم الساعةُ { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لانقطاعِ ما بـينَهم منْ علائقِ الخُلَّةِ والتَّحابِّ لظهورِ كونِها أسباباً للعذابِ. { إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } فإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنيا لمَّا كانتْ في الله تبقَى على حالِها بل تزدادُ بمشاهدةِ كلَ منهُم آثارَ خُلَّتِهم من الثوابِ ورفعِ الدَّرجاتِ، والاستثناءُ على الأولِ متصلٌ وعلى الثَّانِي منقطِعٌ { يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } حكايةٌ لما يُنادَى به المتقونَ المتحابونَ في الله يومئذٍ تشريفاً لهم وتطيـيباً لقلوبِهم. { ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ. { وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا، وهو حالٌ من واوِ آمنُوا. عن مقاتلٍ: إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبادِي فيرفعُ الخلائقُ رؤوسَهُم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهلْ الأديانِ الباطلةِ رؤوسَهُم. { ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ } نساؤُكم المؤمناتُ. { تُحْبَرُونَ } تُسرُّون سروراً يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم، أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ، أو تُكرمونَ إكراماً بليغاً. والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ. { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ. { بِصِحَـٰفٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوٰبٍ } كذلك. والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ، قيلَ: هيَ كالقصعَةِ، وقيلَ: أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعةُ ثم الصحفةُ ثم المكيلةُ. والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ. { وَفِيهَا } أي في الجَّنةِ { مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ } من فُنونِ الملاذِّ. وقُرِىءَ ما تَشْتَهي. { وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه، وقُرِىءَ وتلذُّهُ { وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ، فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ. والالتفاتُ للتشريفِ.

{ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ } مبتدأٌ وخبرٌ { ٱلَّتِى أُورِثْتُمُوهَا } وقُرِىءَ وُرِّثتمُوهَا { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدُنيا الأعمالِ الصالحةِ، شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه، وقيلَ تلكَ الجنةُ مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُهُ، وقيلَ: هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبرُ بما كنتُم تعملُون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأُورثتمُوها كما في الأولَينِ. { لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ } بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ لا بحسبِ الأفرادِ فقطْ { مّنْهَا تَأْكُلُونَ } أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ، وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبداً مُوقَرةٌ بَها. وعنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " لا ينزعُ رجلٌ من الجنَّةِ من ثمرِها إلا نبتَ مثلاَها مكانَها ".