Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } * { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } * { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } * { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ }

{ فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء } مما ترغبونَ وتتنافسونَ فيهِ. { فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } أي فهُو متاعُها تتمتعونَ به مدةَ حياتِكم { وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من ثواب الآخرةِ { خَيْرٌ } ذاتاً لخلوصِ نفعِه { وَأَبْقَىٰ } زماناً حيثُ لا يزولُ ولا يَفْنى { لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } لا على غيرِه أصلاً. والموصولُ الأولُ لما كانَ مُتضمناً لمَعْنى الشرطِ منْ حيثُ أنَّ إيتاءَ مَا أُوتُوا سببٌ للتمتعِ بها في الحياة الدُّنيا دخلتْ جوابَها الفاءُ بخلافِ الثانِي. وعَنْ عليَ رضيَ الله عنه أنَّه تصدقَ أبُو بكرٍ رضيَ الله عنْهُ بمالِه كلِّه فلامَهُ جمعٌ من المسلمينَ فنزلتْ. وقولُه تعالَى:

{ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ } أي الكبائر من هذا الجنس { وَٱلْفَوٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } معَ ما بعدَهُ عطفٌ على الذينَ آمنُوا، أو مدحٌ بالنصبِ أو الرفعِ وبناءُ يغفرونَ على الضميرِ خبراً لهُ للدلالةِ على أنَّهم الأَخِصَّاءُ بالمغفرةِ حالَ الغضبِ لعزةِ منالِها وقُرِىءَ كبـيرَ الإثمِ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهُمَا كبـيرُ الإثمِ الشركُ. { وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلوٰةَ } نزلَ في الأنصارِ دعاهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمانِ فاستجابُوا له. { وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } أي ذُو شُورى لا ينفردونَ برأيٍ حتى يتشاورُوا ويجتمعُوا عليهِ وكانُوا قبلَ الهجرةِ وبعدَهَا إذا حزبَهُم أمرٌ اجتمعُوا وتشاورُوا { وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أيْ فِي سبـيلِ الخيرِ، وَلعلَّ فصلَهُ عن قرينِه بذكرِ المشاورةِ لوقوعِها عند اجتماعِهم للصلواتِ. { وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } أي ينتقمونَ ممَّنْ بَغَى عليهِم على ما جعلَهُ الله تعالَى لهُم كراهةً التذللِ، وهو وصفٌ لهم بالشجاعةِ بعدَ وصفِهم بسائرِ مُهمَّاتِ الفضائلِ وهَذَا لا ينافِي وصفَهُم بالغُفرانِ فإنَّ كلاًّ منهما فضيلةٌ محمودةٌ في موقعِ نفسهِ، ورذيلةٌ مذمومةٌ في موقعِ صاحبهِ، فإنَّ الحِلْمَ عن العاجزِ وعوراءِ الكرامِ محمودٌ وعن المتغلبِ ولغواءِ اللئامِ مذمومٌ فإنَّه إغراءٌ على البَغِي، وعليهِ قولُ مَنْ قالَ
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه   وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاً
فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا   مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى
وقولُه تعالَى: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } بـيانٌ لوجهِ كونِ الانتصارِ من الخصالِ الحميدةِ مع كونِه في نفسِه إساءةً إلى الغيرِ، بالإشارةِ إلى أنَّ البادىءَ هُو الذي فعلَهُ لنفسهِ، فإنَّ الأفعالَ مستتبعةٌ لأجزيتِها حَتماً إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌّ، وفيه تنبـيهٌ على حُرْمةِ التعدِّي، وإطلاقُ السيئةِ على الثانيةِ لأنَّها تسوءُ مَنْ نزلتْ بهِ { فَمَنْ عَفَا } عنِ المسيءِ إليهِ { وَأَصْلَحَ } بـينَهُ وبـينَ مَنْ يعاديهِ بالعفوِ والإغضاءِ كَما في قولِه تعالى:فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } [سورة فصلت، الآية 34] { فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } عِدَةٌ مُبهمةٌ منبئةٌ عن عظمِ شأنِ الموعودِ وخُروجِه عن الحدِّ المعهودِ. { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } البادئينَ بالسيئةِ والمتعدِّينَ في الانتقامِ.