Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } * { وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }

{ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ } ردٌّ وإنكارٌ لزعمهم قتلَه وإثباتٌ لرفعه { وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } لا يغالَب فيما يريده { حَكِيماً } في جميع أفعالِه فيدخُل فيها تدبـيراتُه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً { وَإِن مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أي من اليهود والنصارى، وقوله تعالى: { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } جملةٌ قَسَمية وقعت صفةً لموصوف محذوفٍ إليه يرجع الضميرُ الثاني والأول لعيسى عليه السلام، أي وما من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ بعيسى عليه السلام ــ قبل أن تَزهَقَ روحُه ــ بأنه عبدُ الله ورسولُه ولاتَ حينَ إيمانٍ لانقطاع وقتِ التكليفِ، ويعضُده أنه قرىء ليؤمِنُنّ به قبل موتهم بضم النون لِما أن أحداً في معنى الجمعِ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنه فسّره كذلك فقال له عِكرِمة: فإن أتاه رجلٌ فضَرَبَ عُنقَه؟ قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يُحرِّك بها شفتيه. قال: فإن خرَّ من فوق بـيت أو احترق أو أكله سبُعٌ؟ قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرُجُ روحُه حتى يؤمِنَ به). وعن شهرِ بنِ حَوْشبَ (قال لي الحجاج: آيةٌ ما قرأتُها إلا تَخالَج في نفسي شيءٌ منها يعني هذه الآيةَ، وقال: إني أُوتىٰ بالأسير من اليهود والنصارى فأضربُ عُنقَه فلا أسمعُ منه ذلك، فقلت: إن اليهوديَّ إذا حضره الموتُ ضربت الملائكةُ دُبُرَه ووجهَه وقالوا: يا عدوَّ الله أتاك عيسى عليه السلام نبـياً فكذبتَ به، فيقول: آمنتُ أنه عبدٌ نبـيٌّ، وتقول للنصراني: أتاك عيسى عليه السلام نبـياً فزعمتَ أنه الله أو ابنُ الله فيؤمنُ أنه عبدُ الله ورسولُه حيث لا ينفعه إيمانُه، قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليَّ وقال: ممن سمعتَ هذا؟ قلت: حدثني محمدُ بنُ عليَ بنِ الحنفيةِ فأخذ ينكُث الأرضَ بقضيبه ثم قال: لقد أخذتُها من عين صافية)، والإخبارُ بحالهم هذه وعيدٌ لهم وتحريضٌ على المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يُضْطروا إليه مع انتفاء جدواه، وقيل: كلا الضميرين لعيسى، والمعنى وما من أهل الكتابِ الموجودين عند نزولِ عيسى عليه السلام أحدٌ إلا ليؤمِنَنّ به قبل موته. رُوي (أنه عليه السلام ينزِلُ من السماء في آخر الزمانِ فلا يبقىٰ أحدٌ من أهل الكتاب إلا يؤمنُ به حتى تكونَ الملةُ واحدةً وهي ملةُ الإسلام، ويُهلك الله في زمانه الدجالَ وتقعُ الأمنة حتى ترتعَ الأسودُ مع الإبلِ والنمورُ مع البقر، والذئابُ مع الغنمِ ويلعب الصبـيانُ بالحيّاتِ ويلبث في الأرض أربعين سنةً ثم يُتوفّىٰ ويصلي عليه المسلمون ويدفِنونه)، وقيل: الضميرُ الأولُ يرجِعُ إلى الله تعالى، وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ } أي عيسى عليه السلام { عَلَيْهِمْ } على أهل الكتاب { شَهِيداً } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعَوْه ابنَ الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبـيراً.