Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً } * { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }

{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ } أي بسبب ميثاقِهم ليُعطوه على ما روي أنهم هموا بنقضه فرفع الله تعالى عليهم الجبلَ فجاؤا وأقلعوا عن النقض وهو الأنسبُ بما سيأتي من قوله عز وجل:وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } [الأحزاب: 9، النساء: 154] { وَقُلْنَا لَهُمُ } على لسان موسى عليه السلام والطورُ يظلِّلهم { ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } قال قتادة: كنا نحدَّث أنه بابٌ من أبواب بـيتِ المقدس، وقيل: هو إيليا، وقيل: هو أريحا، وقيل: هو اسمُ قريةٍ، وقيل: بابُ القُبةِ التي كانوا يصلون إليها فإنهم لم يدخُلوا بـيتَ المقدسِ في حياة موسى عليه السلام { سُجَّدًا } أي متطامنين خاضعين { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ } أي لا تظلِموا باصطياد الحيتانِ { فِى ٱلسَّبْتِ } وقرىء لا تعتدوا ولا تعَدّوا بفتح العين وتشديد الدال على أن أصله تعتدوا فأدغمت التاءُ في الدال لتقاربهما في المخرج بعد نقل حركتها إلى العين { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ } على الامتثال بما كُلّفوه { مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } مؤكداً وهو العهدُ الذي أخذه الله عليهم في التوراة، قيل: إنهم أعطَوا الميثاقَ على أنهم إن همّوا بالرجوع عن الدين فالله تعالى يعذِّبهم بأي أنواع العذاب أراد.

{ فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } ما مزيدةٌ للتأكيد أو نكرةٌ تامةٌ ونقضُهم بدلٌ منها والباءُ متعلقةٌ بفعل محذوفٍ أي فسبب نقضِهم ميثاقَهم ذلك فعلْنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخِ وغيرِهما من العقوبات النازلةِ عليهم أو على أعقابهم. روي أنهم اعتَدَوا في السبت في عهد داودَ عليه السلام فلُعنوا ومُسِخوا قِردةً، وقيل: متعلقةٌ بحَرَّمْنا على أن قوله تعالى:فَبِظُلْمٍ } [النساء: 153] بدل من قوله تعالى: { فَبِمَا } وما عطف عليه فيكون التحريمُ معلّلاً بالكل، ولا يخفى أن قولَهم: إنا قتلنا المسيحَ وقولَهم على مريمَ البهتانُ متأخرٌ عن التحريم ولا مساغ لتعلّقها بما دل عليه قوله تعالى: { بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } [النساء: 155] لأنه رد لقولهم: { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } [النساء: 155] فيكون من صلة قولِه تعالى: { وَقَوْلِهِمْ } المعطوفِ على المجرور فلا يعمل في جاره { وَكُفْرِهِم بَـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } أي بالقرآن أو بما في كتابهم { وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ } كزكريا ويحيـىٰ عليهما السلام { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمعُ أغلفَ أي هي مغشاةٌ بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمدٌ صلى الله عليه وسلم أو هو تخفيفُ غُلُفٌ جمع غِلاف أي هي أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاء، وقال الكلبـي: يعنون أن قلوبَنا بحيث لا يصل إليها حديثٌ إلا وعتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً { بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } كلامٌ معترِضٌ بـين المعطوفَين جيء به على وجه الاستطرادِ مسارعةً إلى رد زعمِهم الفاسدِ أي ليس كفرُهم وعدمُ وصولِ الحقِّ إلى قلوبهم لكونها غُلفاً بحسب الجِبِلّة بل الأمرُ بالعكس حيث ختم الله عليها بسبب كفرهم أو ليست قلوبُهم كما زعموا بل هي مطبوعٌ عليها بسبب كفرِهم { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد اللَّهِ بن سلام وأضرابِه أو إلا إيماناً قليلاً لا يُعبأ به.