Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } * { وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً } * { وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً }

{ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنّسَاء } أي مُحال أن تقدِروا على أن تعدِلوا بـينهن بحيث لا يقع ميلٌ ما إلى جانب إحداهن في شأن من الشؤون البتةَ وقد " كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقسِمُ بـين نسائِه فيعدِلُ ثم يقول: " اللهم هذا قَسْمي فيما أملِك فلا تؤاخِذْني فيما تملِكُ ولا أملِكُ " وفي رواية " وأنت أعلم بما لا أملك " يعني فرطَ محبتِه لعائشة رضي الله عنها { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي على إقامة العدلِ وبالغتم في ذلك { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ } أي فلا تجوروا على المرغوب عنها كلَّ الجَوْرِ واعدِلوا ما استطعتم فإن عجْزَكم عن حقيقة العدلِ إنما يصحح عدمَ تكليفِكم بها لا بما دونها من المراتب الداخلةِ تحت استطاعتِكم { فَتَذَرُوهَا } أي التي مِلْتم عنها { كَٱلْمُعَلَّقَةِ } التي ليست ذاتَ بعلٍ أو مطلقة وقرىء كالمسجونة وفي الحديث: " مَنْ كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحدُ شِقَّيه مائلٌ " { وَإِن تُصْلِحُواْ } ما كنتم تُفسِدون من أمورهن { وَتَتَّقُواْ } الميلَ فيما يستقبل { فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً } يغفرُ لكم ما فرَط منكم من الميل { رَّحِيماً } يتفضل عليكم برحمته.

{ وَإِن يَتَفَرَّقَا } وقرىء يتفارقا أي وإن يفارقْ كلٌّ منهما صاحبَه بأن لم يتفِقْ بـينهما وِفاقٌ بوجه ما من الصلح وغيرِه { يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ } منهما أي يجعلْه مستغنياً عن الآخَر ويُكْفِه مُهمّاتِه { مّن سَعَتِهِ } من غناه وقُدرته، وفيه زجرٌ لهما عن المفارقة رُغماً لصاحبه { وَكَانَ ٱللَّهُ وٰسِعاً حَكِيماً } مقتدراً متْقِناً في أفعاله وأحكامِه، وقولُه تعالى: { وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي من الموجودات كائناً ما كان من الخلائق وأرزاقُهم وغيرُ ذلك، جملةٌ مستأنفةٌ منبّهةٌ على كمال سعتِه وعِظَم قدرتِه { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } أي أمرناهم في كتابهم وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ قبلهم من الأمم، واللامُ في الكتاب للجنس، و { مِنْ } متعلقة بوصّينا أو بأوتوا { وَإِيَّـٰكُمْ } عطف على الموصول { أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي وصينا كلاًّ منكم ومنهم بأن اتقوا الله على أنّ أنْ مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ ويجوز أن تكون مفسِّرةً، لأن التوصيةَ في معنى القولِ فقوله تعالى: { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } حينئذ من تتمة القولِ المحكيِّ أي ولقد قلنا لهم ولكم: اتقوا الله وإن تكفروا إلى آخر الآية، وعلى تقدير كونِ أنْ مصدرية مبني الكلام وإرادة القول أي أمرناهم وإياكم بالتقوى وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا الآية، وقيل: هي جملةٌ مستأنفةٌ خوطب بها هذه الأمةُ، وأياً ما كان فالمترتبُ على كفرهم ليس مضمونَ قولِه تعالى: { فَإِنَّ ٱللَّهَ } [النساء، الآية: 129] الآية، بل هو الأمرُ بعلمه كأنه قيل: وإن تكفروا فاعلَموا أن لله ما في السموات وما في الأرض من الخلائق قاطبةً مفتقرون إليه في الوجود وسائرِ النعمِ المتفرِّعةِ عليه لا يستغنون عن فيضه طرفةَ عينٍ فحقُّه أن يُطاع ولا يُعصىٰ ويُتقىٰ عقابُه ويُرجىٰ ثوابُه وقد قرر ذلك بقوله تعالى: { وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً } أي عن الخلق وعبادتِهم { حَمِيداً } محموداً في ذاته حمِدوه أو لم يحْمَدوه فلا يتضرر بكفرهم ومعاصيهم كما لا ينتفع بشكرهم وتقواهم وإنما وصّاهم بالتقوى لرحمته لا لحاجته.