Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } * { جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } * { مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } * { وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ } * { هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ }

{ هَـٰذَا } إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من الآياتِ النَّاطقةِ بمحاسِنهم. { ذِكرٌ } أي شَرفٌ لهم وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً أو نوعٌ من الذِّكرِ الذي هو القرآنُ وبابٌ منه مشتملٌ على أنباءِ الأنبـياءِ عليهم السَّلامُ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: هذا ذكرُ مَن مضى من الأنبـياءِ. وقولُه تعالى { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } شروع في بـيان أجرِهم الجزيل في الآجلِ بعد بـيان ذكرِهم الجميلِ في العاجلِ وهو بابٌ آخرُ من أبواب التَّنزيلِ. والمرادُ بالمتَّقينَ إمَّا الجنسُ وهم داخلون في الحكم دُخولاً أوليَّاً وإما نفسُ المذكورين عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم بالتَّقوى التي هي الغايةُ القاصيةُ من الكمالِ. { جَنَّـٰتِ عَدْنٍ } عطفُ بـيانٍ لحسنَ مآبٍ عندَ من يجوِّزُ تخالفَهما تعريفاً وتنكيراً فإنَّ عَدْناً مَعْرِفةٌ لقولِه تعالى:جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ } [سورة الكهف: الآية 31] أو بدلٌ منه أو نصب على المدحِ. وقولُه تعالى: { مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ } حالٌ من جنَّاتِ عَدْنٍ، والعاملُ فيها ما في للمتَّقين من معنى الفعلِ. والأبوابُ مرتفعةٌ باسمِ المفعولِ والرَّابطُ بـين الحالِ وصاحبِها إمَّا ضميرٌ مقدَّرٌ كما هو رأيُ البصريِّـينَ أي الأبوابُ منها أو الألفُ واللاَّمُ القائمةُ مقامَه كما هو رأيُ الكوفيِّـينَ إذِ الأصلُ أبوابُها، وقُرئتا مرفوعتينِ على الابتداءِ والخبرِ، أو على أنَّهما خبرانِ لمحذوفٍ أي هي جنَّاتُ عدنٍ هي مفتّحةٌ.

{ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا } حالٌ من ضميرِ لَهمُ والعاملُ فيها مفتَّحة. وقولُه تعالى { يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } استئنافٌ لبـيانِ حالِم فيها وقيل: هو أيضاً حالٌ مَّما ذُكر أو من ضمير متَّكئين والاقتصارُ على دعاءِ الفاكهةِ للإيذانِ بأنَّ مطاعَمهم لمحضِ التَّفكهِ والتَّلذذِ دُون التَّغذِّي فإنَّه لتحصيل بدلِ المتحلِّلِ ولا تحلَّلِ ثَمة { وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } أي على أزواجهنَّ لا ينظُرن إلى غيرِهم { أَتْرَابٌ } لداتٌ لهم فإنَّ التَّحابَّ بـين الأقرانِ أرسخُ أو بعضهن لبعضٍ لا عجوزَ فيهنَّ ولا صبـيَّةَ. واشتقاقُه من التُّراب فإنَّه يمسُّهم في وقتٍ واحدٍ { هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } أي لأجلِه فإنَّ الحسابَ علَّةٌ للوصولِ إلى الجزاءِ. وقُرىء بالياءِ ليوافقَ ما قبلَه. والالتفاتُ أليقُ بمقامِ الامتنانِ والتَّكريمِ.