Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ } * { يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } * { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ }

{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذٰلِكَ } أي ما استغفرَ منه. ورُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقي ساجداً أربعينَ يوماً وليلةً لا يرفعُ رأسَه إلا لصلاةٍ مكتوبةٍ أو لما لا بُدَّ منه ولا يرقأُ دمعُه حتَّى نبتَ منه العشبُ إلى رأسه ولم يشرب ماء إلا ثلثاه دمعٌ وجهد نفسَه راغباً إلى الله تعالى في العفوِ عنه حتَّى كادَ يهلك واشتغل بذلك عن المُلكِ حتَّى وثبَ ابنٌ له يقال له إيشا على ملكِه ودعا إلى نفسِه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغِ من بني إسرائيلَ فلمَّا غُفر له حاربَه فهزمَه { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } لقُربةٍ وكرامة بعد المغفرة { وَحُسْنُ مَـئَابٍ } حسنَ مرجعٍ في الجنَّةِ.

{ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } إمَّا حكاية لمَّا خُوطب به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبـينة لزُلفاه عنده عزَّ وجلَّ وإمَّا مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو معطوف على غفرنا، أو حالٌ من فاعله أو وقُلنا له أو قائلين له يا داودُ الخ أي استخلفناك على المُلك فيها والحكمِ فيما بـينَ أهِلها أو جعلناك خليفةً ممَّن كان قبلك من الأنبـياء القائمينَ بالحقِّ وفيه دليلٌ بـيِّنٌ على أنَّ حالهَ عليه الصَّلاة والسَّلام بعد التَّوبةِ كما كانت قبلها لم تتغيَّرْ قَط.

{ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } بحكم الله تعالى فإنَّ الخلافةَ بكلا معنيـيه مقتضيةٌ له حتماً { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدِّين والدُّنيا { فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } بالنَّصبِ على أنَّه جوابُ النَّهي. وقيل: هو مجزومٌ بالعطفِ على النَّهيِ مفتوحٌ لالقتاءِ السَّاكنينِ أي فيكون الهوى أو اتِّباعُه سبباً لضلالِك عن دلائلِه التي نصبها على الحقِّ تكويناً وتَشريعاً. وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تعليلٌ لما قبله ببـيانِ غائلتِه وإظهار سبـيلِ الله في موقعِ الإضمارِ لزيادة التَّقريرِ والإيذانِ بكمال شناعةِ الضَّلالِ عنه { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } جملة من خبرٍ ومبتدأٍ وقعت خبراً لأنَّ أو الظَّرفُ خبراً لأنَّ وعذابٌ مرتفع على الفاعليةِ بما فيه من معنى الاستقرارِ. { بِمَا نَسُواْ } بسبب نسيانِهم وقوله تعالى: { يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } إما مفعولٌ لنسُوا فيكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذابِ الشَّديدِ لهم بنسيان يوم الحسابِ بعد الإشعارِ بعلِّيةِ ما يستتبُعه ويستلزمه أعني الضَّلالَ عن سبـيل الله تعالى فإنَّه مستلزمٌ لنسيانِ يوم الحساب بالمرَّةِ بل هذا فردٌ من أفرادِه أو ظرفٌ لقوله تعالى: لهم أي لهُم عذابٌ شديدٌ يومَ القيامةِ بسببِ نسيانِهم الذي هو عبارةٌ عن ضلالِهم، ومن ضرورتِه أن يكون مفعولُه سبـيلِ الله فيكون التَّعليلُ المصرح به حينئذٍ عينَ التَّعليلِ المشعر به بالذَّاتِ غيره بالعُنوان ومَن لم يتنبه لهذا السرِّ السريِّ قال بسبب نسيانِهم وهو ضلالُهم عن السَّبـيلِ فإنَّ تذكَّره يقتضي ملازمةَ الحقِّ ومخالفةَ الهَوَى فتدبَّر.

السابقالتالي
2