Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ } * { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ } * { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ }

وقوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ } الخ استئناف مقررٌ لمضمون ما قبله ببـيانِ أحوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ الذين هؤلاءِ جندٌ ما جنودهم ممَّا فعلوا من التَّكذيبِ وفعل بهم من العقابِ. وذُو الأوتادِ معناه ذُو المُلك الثَّابتَ أصلُه من ثبات البـيت المطنَّبِ بأوتادِه فاستُعير لثبات الملكِ ورسوخِ السَّلطنةِ واستقامةِ الأمرِ. قال الأسودُ بن يَعْفُر: [الكامل]
وَلَقَد غَنُوا فيها بأَنْعمِ عِيْشة   فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوْتَادِ
أو ذُو الجموع الكثيرةِ وسُمُّوا بذلك لأنَّ بعضَهم يشدُّ بعضاً كالوتدِ يشدُّ البناءَ وقيل: نصبَ أربعَ سوار وكان يمدُّ يَدَيْ المعذَّبِ ورجليه إليه ويضربُ عليها أوتاداً ويتركُه حتَّى يموتَ. وقيل: كان يمدُّه بـين أربعةِ أوتادٍ في الأرض ويرسلُ عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقيل: كانت له أوتادٌ وحبالٌ يلعب بها بـين يديِه { وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ } أصحابُ الغَيضةِ من قومِ شُعيبِ عليه السَّلامُ وقوله تعالى: { أُوْلَـئِكَ ٱلأَحْزَابُ } إمَّا بدلٌ من الطَّوائفِ المذكورة كما أنَّ ذلك الكتابُ بدلٌ من ألم على أحدِ الوجوه وفيه فضلُ تأكيدٍ وتنبـيهٌ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم وقوله تعالى: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } استئنافٌ جيء به تقريراً لتكذيبِهم وبـياناً لكيفَّيتِه وتمهيداً لما يعقُبه أي ما كلُّ أحدٍ من آحادِ أولئكَ الأحزابِ أو ما كلُّ حزبٍ منُهم إلا كذَّبَ الرُّسلَ لأنَّ تكذيبَ واحد منهم تكذيبٌ لهم جميعاً لاتِّفاقِ الكلِّ على الحقِّ. وقيل ما كلُّ حزبٍ إلاَّ كذَّب رسولَه على نهجِ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ، وأيَّاً ما كان فالاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العام في خبر المبتدأ، أي ما كلُّ أحدٍ منهم محكوماً عليه بحكم إلا محكومٌ عليه بأنه كذَّب الرُّسلَ وقيل ما كلُّ واحدٍ منهم مُخبَراً عنه بخبرٍ إلا مخَبرٌ عنه بأنَّه كذَّب الرُّسلَ وفي إسناد التَّكذيبِ إلى الطَّوائفِ المذكُورةِ على وجهِ الإبهامِ أوَّلاً والإيذانِ بأنَّ كُلاَّ منهم حزبٌ على حيالِه تحزَّب على رسولِه ثانياً وتبـيـينِ كيفيةِ تكذيبِهم بالجملةِ الاستثنائيةِ ثالثاً فنونٌ من المبالغة مسجَّلةٌ عليهم باستحقاقِ أشدِّ العذابِ وأفظعِه ولذلك رُتِّب عليه قولُه تعالى: { فَحَقَّ عِقَابِ } أي ثبتَ ووقعَ على كلَ منُهم عقابـي الذي كانتْ تُوجبه جناياتُهم من أصنافِ العقوباتِ المفصَّلةِ في مواقَعِها وإما مبتدأٌ. وقوله تعالى:إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ } [سورة ص: الآية 14] خبرُه بحذفِ العائدِ أي إنْ كلٌّ منهم الخ والجملةُ استئنافٌ مقررٌ لما قبله مؤكِّدٌ لمضمونِه مع ما فيه من بـيانِ كيفيةِ تكذيبهم والتَّنبـيهِ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم كما ذُكر وقيل: هو مبتدأٌ وخبرٌ، والمَعنْى أنَّ الأحزابَ الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم هُم هُم وأنَّهم الذينُ وجد منهم التَّكذيبُ فتدبَّر. وأمَّا ما قيل مِن أنَّه خبرٌ والمبتدأُ قوله تعالى: { وَعَادٌ } الخ أو قوله:وَقَوْمُ لُوطٍ } [سورة الحج: الآية 43] الخ فممَّا يجب تنزيُه ساحةِ التَّنزيلِ عن أمثالِه.