Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ } * { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } * { سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ } * { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } * { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } * { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ }

{ وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ } فحسب حيثُ أهلكنا الكفرة بموجب دعائهرَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } [سورة نوح: الآية 26] وقد رُوي أنَّه ماتَ كلُّ من كانَ معه في السَّفينةِ غير أبنائه وأزواجهم أو هم الذين بقوا مُتناسلين إلى يوم القيامة. قال قتادة: النَّاسُ كلُّهم من ذُرِّيةِ نوحٍ عليه السَّلامُ وكان له ثلاثةُ أولادٍ سامٌ وحامٌ ويافثٌ، فسامٌ أبُو العربِ وفارسَ والرُّومِ، وحامٌ أبُو السودانِ من المشرق إلى المغربِ ويافثٌ أبو التُّركِ ويأجوجَ ومأجوجَ { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ } من الأمم { سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ } أي هذا الكلامُ بعينه وهو واردٌ على الحكاية كقولك قرأتُ سورة أنزلناها والمعنى يُسلِّمون عليه تسليماً ويدعُون له على الدَّوام أمَّةً بعد أمَّةٍ. وقيل ثمة قولٌ مقدَّرٌ أي فقلنا وقيل ضُمِّن تركنا معنى قلنا. وقوله تعالى: { فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ } متعلِّقٌ بالجارِّ والمجرورِ. ومعناهُ الدُّعاء بثباتِ هذه التَّحيةِ واستمرارِها أبداً في العالمين من الملائكة والثَّقلينِ جميعاً. وقوله تعالى: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ } تعليلٌ لما فُعل به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من التَّكرمةِ السَّنيةِ من إجابةِ دُعائهِ أحسنَ إجابةٍ وإبقاء ذُرِّيتهِ وتَبقيةِ ذكره الجميلِ وتسليم العالمين عليه إلى آخرِ الدَّهرِ بكونه من زُمرة المعروفين بالإحسان الرَّاسخينَ فيه وأنَّ ذلك من قبـيل مُجازاة الإحسانِ بالإحسانِ وذلك إشارة إلى ما ذُكر من الكرامات السَّنيةِ التي وقعتْ جزاءً له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ العهد بالمشارِ إليه للإيذانِ بعلوِّ رُتبته وبُعد منزلتهِ في الفضل والشَّرفِ. والكافُ متعلِّقةٌ بما بعدها أي مثلَ ذلك الجزاءِ الكامل نجزِي الكاملينَ في الإحسانِ لا جزاءً أدنى منه. وقوله تعالى: { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ } تعليل لكونهِ من المحسنين بخلوصِ عبوديته وكمال إيمانه وفيه من الدِّلالةِ على جلالة قدرهما ما لا يخفى. { ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } أي المغايرين لنوحٍ وأهله وهُم كُفَّارُ قومه أجمعين. { وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } أي ممَّن شايعه في أصول الدِّينِ { لإِبْرٰهِيمَ } وإنِ اختلفتْ فروعُ شرائعهما. ويجوزُ أن يكون بـين شريعتيهما اتِّفاقٌ كليٌّ أو أكثر. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: من أهل دينهِ وعلى سنَّتهِ أو ممَّن شايعه على التَّصلُّبِ في دينِ الله ومصابرةِ المكذِّبـين وما كان بـينهما إلا نبـيَّانِ هما هودٌ وصالحٌ عليهم الصلاة والسلام وكان بـين نوح وإبراهيمَ ألفانِ وستمائةٍ وأربعون سنةً.