Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } * { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ } * { بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ } * { لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } * { وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ } * { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } * { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ }

وقوله تعالى: { عَلَىٰ سُرُرٍ } محتمل للحاليَّةِ والخبريَّةِ. فقولُه تعالى: { مُّتَقَـٰبِلِينَ } حالٌ من المستكنِّ فيه أو في مُكرمون. وقوله تعالى: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } إمَّا استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأ من حكاية تكامُلِ مجالسِ أُنسهم أو حال من الضَّميرِ في متقابلين أو في أحد الجارَّينِ وقد جُوِّزَ كونه صفةً لمكرمون { بِكَأْسٍ } بإناء فيه خمر أو بخمرٍ، فإنَّ الكأس تُطلق عن نفس الخمرِ كما في قول مَن قال: [المتقارب]
وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَىٰ لذَّة   وأُخْرَىٰ تَدَاويتُ منها بها
{ مّن مَّعِينٍ } متعلِّقٌ بمضمرٍ هو صفة لكأس أي كائنةٌ من شرابٍ مَعينٍ أو من نهرٍ مَعينٍ وهو الجاري على وجه الأرضِ الظَّاهرُ للعُيونِ أو الخارجُ من العُيونِ من عان الماءُ إذا نبعَ، وصف به الخمرُ وهو للماءِ لأنَّها تجري في الجنَّةِ في أنهارٍ كما يجري الماءُ قال تعالى وأنهارٍ من خمرٍ { بَيْضَاء لَذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } صفتانِ أيضاً لكأسٍ، ووصفها بلذَّةٍ إمَّا للمُبالغةِ كأنَّها نفسُ اللَّذةِ أو لأنَّها تأنيثُ اللَّذِّ بمعنى اللَّذيذِ ووزنه فعل قال: [الطويل]
ولذَ كطعمِ الصَّرخديِّ تركتُه   بأرضِ العِدا مِنْ خيفةِ الحدَثانِ
يريد النَّومَ { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } أي غائلةٌ كما في خمور الدُّنيا من غالَه إذا أفسدَه وأهلكه ومنه الغُول. { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } يسكَرُون من نزف الشَّاربُ فهو نَزِيفٌ ومنزوفٌ إذا ذهب عقلُه ويقال للمطعونِ نُرِفَ فماتَ إذا جُرح دمُه كلُّه. أفرد هذا بالنَّفي مع اندراجه فيما قبله من نفي الغَول عنها لما أنَّه من معظم مفاسد الخمرِ كأنَّه جنس برأسهِ والمعنى لا فيها نوعٌ من أنواع الفسادِ من مغصٍ أو صُداعٍ أو خُمارٍ أو عَربدةٍ أو لغوٍ أو تأثيمٍ ولا هم يسكرون. وقُرىء يُنزفون بكسر الزَّاي، من أنزفَ الشَّاربُ إذا نفد عقلُه أو شرابه. وقُرىء ينزفون بضمِّ الزَّاي من نَزَف يَنزُف بضمِّ الزَّاي فيهما { وَعِندَهُمْ قَـٰصِرٰتُ ٱلطَّرْفِ } قصرن أبصارَهنَّ على أزواجهنَّ لا يمددن طَرفاً إلى غيرهم { عِينٌ } نجُلُ العُيونِ جمع عَيْناءَ والنَّجَلُ سعةُ العينِ { كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } شُبِّهن ببـيض النَّعامِ المصونِ من الغبارِ ونحوه في الصَّفاءِ والبـياض المخلوطِ بأدنى صُفرةٍ فإن ذلك أحسنُ ألوانِ الأبدانِ { فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } معطوف على يُطاف أي يشربون فيتحادثُون على الشَّراب كما هو عادة الشرب قال: [الوافر]
وَمَا بَقِيَتْ مِن اللَّذاتِ إلا   أحاديثُ الكرامِ على المُدامِ
فيقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءلون عن الفضائلِ والمعارفِ وعمَّا جرى لهم وعليهم في الدُّنيا. فالتَّعبـيرُ عنه بصيغة الماضي للتَّأكيدِ والدِّلالةِ على تحقُّقِ الوقوع حتماً.