Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ } * { وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } * { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } * { بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } * { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } * { قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ }

{ مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنامِ ونحوِها زيادةً في تحسيرهم وتخجيلهم. قيل هو عامٌ مخصوصٌ بقوله تعالى:إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ } [سورة الأنبياء: الآية 101] الآيةَ الكريمةَ وأنت خبـيرٌ بأنَّ الموصولَ عبارةٌ عن المشركين خاصَّةً جيء به لتعليل الحكمِ بما في حيِّزِ صلتهِ فلا عمومَ ولا تخصيصَ. { فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرٰطِ ٱلْجَحِيمِ } أي عرِّفُوهم طريقها ووجِّهوهم إليها وفيه تهكُّمٌ بِهم { وَقِفُوهُمْ } احبِسُوهم في الموقف كأنَّ الملائكة سارعُوا إلى ما أُمروا به من حشرِهم إلى الجحيم فأُمروا بذلك وعُلِّل بقوله تعالى: { إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } إيذاناً من أوَّلِ الأمرِ بأنْ ذلك ليس للعفو عنهم ولا ليستريحُوا بتأخيرِ العذابِ في الجملة بل ليُسألوا لكن لا عن عقائدهم وأعمالهم كما قيل فإنَّ ذلك قد وقع قبل الأمرِ بهم إلى الجحيمِ بل عمَّا ينطقُ به قوله تعالى: { مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ } بطريق التَّوبـيخِ والتَّقريعِ والتَّهكُّمِ، أي لا ينصرُ بعضُكم بعضاً كما كنتُم تزعمون في الدُّنيا. وتأخيرُ هذا السُّؤالِ إلى ذلك الوقتِ لأنَّه وقتُ تنجُّزِ العذابِ وشدَّةِ الحاجةِ إلى النُّصرةِ وحالة انقطاعِ الرَّجاءِ عنها بالكُلِّية، فالتَّوبـيخُ والتَّقريعُ حينئذٍ أشدُّ وقعاً وتأثيراً. قُرىء لا تَتَناصرون، ولا تنَّاصرُون بالإدغامِ { بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } مُنقادون خاضعُون لظهورِ عجزهم وانسدادِ بابِ الحِيلِ عليهم أو أسلم بعضُهم بعضاً وخذله عن عجزٍ فكلُّهم غيرُ منتصرٍ.

{ وَأَقْبَلَ } حينئذٍ { بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } هم الأتباعُ والرؤساء أو الكفرةُ والقُرناء { يَتَسَاءلُونَ } يسألُ بعضُهم بعضاً سؤالَ توبـيخٍ بطريقِ الخصومةِ والجدالِ { قَالُواْ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ تساؤلهم كأنَّه قيل كيفَ تساءلون فقيلَ قالوا أي الأتباعُ للرُّؤساء أو الكلُّ للقرناءِ { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا } في الدُّنيا { عَنِ ٱلْيَمِينِ } عن أقوى الوجوهِ وأمتنِها أو عن الدِّينِ أو عن الخيرِ كأنَّكم تنفعوننا نفعَ السَّانحِ فتبعناكم فهلكنا، مستعارٌ من يمينِ الإنسانِ الذي هو أشرفُ الجانبـينِ وأقواهما وأنفعُهما ولذلك سُمِّي يميناً ويُتيمَّن بالسَّانحِ أو عن القوَّة والقَسْر فتقسروننا على الغَيِّ وهو الأوفقُ للجوابِ أو عن الحلفِ حيثُ كانُوا يحلفون أنَّهم على الحقِّ.