Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ } * { وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ }

{ قُلْ } أي للمشركين إظهاراً لبُطلان ما هُم عليه وتَبكيتاً لهم { ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أي عمتمُوهم آلهةً وهما مفعولا زعمَ ثم حُذف الأوَّلُ تخفيفاً لطول الموصول بصلتِه والثَّاني لقيام صفتِه أعني قوله تعالى { مِن دُونِ ٱللَّهِ } مقامه ولا سبـيل إلى جعله مفعولاً ثانياً لأنَّه لا يلتئمُ مع الضَّميرِ كلاماً وكذا لا يملكُون لأنَّهم لا يزعمونه والمعنى ادعوهم فيما يهمُّكم من جَلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضُرَ لعلَّهم يستجيبون لكُم إنْ صح دعواكم ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعيُّن الجوابِ وأنَّه لا يقبلُ المكابرةَ فقال { لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } من خير وشرَ ونفع وضرَ { فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } أي في أمرٍ ما من الأمور. وذكرُهما للتَّعميمِ عُرفاً، أو لأنَّ آلهتَهم بعضُها سماويةٌ كالملائكةِ والكواكبِ وبعضُها أرضية كالأصنامِ أو لأنَّ الأسباب القريبة للخيرِ والشرِّ سماويةٌ وأرضيةٌ والجملة استئنافٌ لبـيانِ حالِهم. { وَمَا لَهُمْ } أي لآلهتِهم { فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } أي شَركةٍ لا خلقاً ولا مُلكاً ولا تصرُّفاً { وَمَا لَهُ } أي لله تعالى { مِنْهُمْ } من آلهتِهم { مّن ظَهِيرٍ } يُعينه في تدبـير أمرِهما.

{ وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ } أي لا توُجد رأساً كما في قوله: [السريع]
لا تُفْزِعِ الأرنَبَ أهوَالُها   وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بها ينجحِرُ
لقوله تعالى:مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [سورة البقرة: الآية 255] وإنَّما علَّق النَّفيَ بنفعها لا بوقوعِها تصريحاً بنفي ما هو غرضُهم من وقوعها وقوله تعالى { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } استئناءٌ مفرَّعٌ من أعمِّ الأحوال أي لا تقع الشَّفاعةُ في حال من الأحوالِ إلا كائنةً لمن أذنَ له في الشَّفاعةِ من النبـيِّـين والملائكةِ ونحوِهم من المستأهلين لمقام الشَّفاعةِ فتبـيَّن حرمانُ الكَفرَة منها بالكُلِّية، أما من جهةِ أصنامِهم فلظهور انتفاء الإذن لها ضرورةَ استحالةِ الإذنِ في الشفاعة لجمادٍ لا يعقلُ ولا ينطق وأمَّا من جهةِ مَن يعبدونَهُ من الملائكةِ فلأنَّ إذنَهم مقصورٌ على الشَّفاعةِ للمستحقِّين لها لقوله تعالى:لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } [سورة سبأ: الآية 38] ومن البـيِّن أنَّ الشَّفاعةَ للكفرةِ بمعزل من الصَّوابِ أو لا تنفع الشَّفاعةُ من الشُّفعاءِ المستأهلين لها في حالً من الأحوال إلا كائنةً لمن إذِن له أي لأجلهِ وفي شأنِه من المستحقِّين للشَّفَّاعة وأمَّا مَن عداهم من غيرِ المستحقِّين لها فلا تنفعُهم أصلاً وإنْ فُرض وقوعُها وصدورُها عن الشُّفعاءِ إذ لم يؤذَن لهم في شفاعتهم بل شفاعة غيرِهم، فعلى هذا يثبتُ حرمانُهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النَّصِّ ومن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حيثُ حُرموها من جهةِ القادرين على شفاعة بعض المحتاحين إليها فلأنْ يُحرموها من جهة العَجَزةِ عنها أولى. وقُرىء أُذِنَ له مبنيّاً للمفعولِ.

{ حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } أي قلوب الشُّفعاءِ والمشفوعِ لهم من المؤمنين وأمَّا الكَفَرةُ فهم من موقف الاستشفاع بمعزلٍ وعن التَّفزيعِ عن قلوبهم بألفِ منزلٍ والتفزيع إزالةُ الفزعِ ثمَّ ترك ذكر الفزع وأسند الفعل إلى الجارِّ والجرور وحتَّى غاية لما ينبىء عنه ما قبلها من الإشعار بوقوع الإذنِ لمن أذن له فإنَّه مسبوق بالاستئذان المستدعِي للتَّرقبِ والانتظارِ للجواب كأنَّه سُئل كيف يُؤذن لهم فقيل يتربَّصون في موقف الاستئذانِ والاستدعاءِ ويتوقَّفون على وَجَلٍ وفَزَعٍ مليّاً حتَّى إذا أُزيلَ الفزعُ عن قلوبهم بعد اللَّتيا والَّتي وظهرتْ لهم تباشيرُ الإجابةِ { قَالُواْ } أي المشفوعُ لهم إذْ هم المحتاجون إلى الإذنِ والمهتمُّون بأمره { مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } أي في شأنِ الإذنِ { قَالُواْ } أي الشُّفعاءُ لأنَّهم المُباشرون للاستئذان بالذَّاتِ المتوسِّطُون بـينهم وبـينه عزَّ وجلَّ بالشَّفاعةِ { ٱلْحَقّ } أي قال ربُّنا القول الحقَّ وهو الإذن في الشفاعةِ للمستحقَّين لها وقُرىء الحقُّ مرفوعاً أي ما قاله الحقُّ { وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } من تمام كلام الشُّفعاء قالوه اعترافاً بغاية عظمة جناب العزَّةِ عزَّ وجلَّ وقصور شأنِ كلِّ مَن سواه أي هو المتفرِّدُ بالعلوِّ والكبرياءِ ليس لأحدٍ من أشراف الخلائقِ أنْ يتكلَّم إلا بإذنه.

السابقالتالي
2