Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } * { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ }

{ أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ } توبـيخٌ لهم بعدَ اتِّعاظِهم بمشاهدةِ أحوالِ أمثالِهم الدَّالَّةِ على عاقبتِهم ومآلِهم. والهمزةُ لتقريرِ المنفيِّ، والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أقعدُوا في أماكنِهم ولم يسيرُوا { فِى ٱلأَرْضِ } وقولُه تعالى: { فَيَنظُرُواْ } عطفٌ على يسيروا داخلٌ في حكمِ التَّقريرِ والتَّوبـيخِ، والمعنى أنَّهم قد سارُوا في أقطارِ الأرضِ وشاهدُوا { كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأممِ المهلكةِ كعادٍ وثمودَ، وقوله تعالى: { كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } الخ بـيانُ لمبدأِ أحوالِهم ومآلِها يعني أنَّهم كانُوا أقدرَ منهم على التَّمتع بالحياةِ الدُّنيا حيثُ كانُوا أشدَّ منهم قوَّةً { وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } أي قلبُوها للزراعةِ والحرثِ وقيل لاستنباطِ المياه واستخراجِ المعادنِ وغيرِ ذلك { وَعَمَرُوهَا } أي عمَّرَها أولئك بفنونِ العماراتِ من الزِّراعةِ والغرسِ والبناءِ وغيرها ممَّا يُعدُّ عمارةً لها. { أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } أي عمارةً أكثرَ كمَّا وكيفاً وزماناً من عمارةِ هؤلاءِ إيَّاها، كيف لا وهُم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا تبسُّط لهم في غيرهِ وفيه تهكُّم بهم حيثُ كانوا مغترِّين بالدُّنيا مفتخرينَ بمتاعِها مع ضعفِ حالِهم وضيقِ عطنِهم إذْ مدارُ أمرِها على التبسطِ في البلادِ والتسلطِ على العبادِ والتقلبِ في أكنافِ الأرضِ بأصنافِ التَّصرفاتِ وهُم ضَعَفهٌ ملجأون إلى وادٍ لا نفعَ فيه يخافُون أنْ يتخطَّفَهم النَّاسُ { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيّنَاتِ } بالمعجزات أو الآياتِ الواضحاتِ { فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } أي فكذَّبوهم فأهلَكهم فما كانَ الله ليهلَكهم من غير جُرمٍ يستدعيِه من قبلهم، والتَّعبـيرُ عن ذلك بالظَّلمِ مع أنَّ إهلاكَه إيَّاهم بلا جُرمٍ ليس من الظُّلمِ في شيءٍ على تقرَّرَ من قاعدةِ أهلِ السنةِ لإظهارِ كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بإبرازهِ في معرضِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى وقد مرَّ في سورةِ الأنفالِ: الآية 51 وسورةِ آلِ عمرانَ الآية 182 { وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بأن اجترأوا على اقترافِ ما يُوجبه من المعاصِي العظيمةِ.

{ ثُمَّ كَانَ عَـٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَآءُوا } أي عملُوا السيئاتِ ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بالإساءةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحكمِ { السَّوأى } أي العقوبةِ التي هي أسوأُ العقوباتِ وأفظعُها التي هي العقوبةُ بالنارِ فإنَّها تأنيثُ الأسوأِ كالحُسنى تأنيثُ الأحسنِ أو مصدرٌ كالبُشرى وُصفَ به العقوبةُ مبالغةً كأنَّها نفسُ السوآ، وهي مرفوعةٌ على أنَّها اسمُ كانَ وخبرُها عاقبةَ. وقُرىء عَلى العكسِ وهو أدخلُ في الجَزَالةِ. وقولُه تعالى: { أَنْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ } علَّةٌ لما أُشير إليه من تعذيبِهم الدُّنيويِّ والأُخرويِّ أي لأنْ كذَّبُوا أو بأنْ كذَّبُوا بآياتِ الله المنزَّلةِ على رُسُلهِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ومعجزاتِه الظَّاهرةِ على أيديهم. وقولُه تعالى: { وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُون } عطفٌ على كذَّبوا داخلٌ معه في حُكمِ العِلِّيةِ، وإيرادُ الاستهزاءِ بصيغةِ المضارعِ للدِّلالةِ على استمرارِه وتجدُّدِه هذا هو اللائقُ بجزَالةِ النَّظمِ الجليلِ وقَدْ قيلَ وقيلَ.