Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } * { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } * { وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } * { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }



{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } مبتدأٌ وخبرٌ أي ابتدأكُم ضعفاءَ وجعلَ الضَّعفَ أساسَ أمرِكم كقولِه تعالى:وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } [سورة النساء: الآية 28] أي خلقكُم من أصلٍ ضعيفٍ هو النُّطفة. { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً } وذلك عند بلوغِكم الحُلُمَ أو تعلقِ الرُّوح بأبدانِكم { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } إذا أخذَ منكم السنُّ. وقُرىء بضمِّ الضَّادِ في الكلِّ وهو أَقوى لقولِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: قرأتها على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأقرأنِي من ضُعفٍ. وهُما لغُتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ. والتَّنكيرُ معَ التَّكريرِ لأنَّ المتقدِّمَ غيرُ المتأخرِ. { يَخْلُقُ مَا يَشَاء } من الأشياءَ التي من جُملتِها ما ذُكر من الضَّعفِ والقُوَّةِ والشَّيبةِ { وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ } المبالغُ في العلمِ والقدرةِ فإنَّ التَّرديدَ فيما ذُكر من الأطوارِ المختلفةِ من أوضحِ دلائلِ العلمِ والقدرةِ { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } أي القيامةُ سُمِّيتْ بها لأنَّها تقومُ من آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الدُّنيا أو لأنَّها تقعُ بغثةً وصارتْ عَلَماً لها كالنَّجمِ للثُّريَّا والكوكَبِ للزُّهْرةِ. { يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ } أي في القبُورِ أو في الدُّنيا. والأولُ هُو الأظهرُ لأنَّ لبثَهم مُغيَّا بـيومِ البعثِ كما سيأتي وليسَ لبثُهم في الدُّنيا كذلكَ وقيلَ: فيما بين فناءِ الدُّنيا والبعثِ وانقطاع عذابِهم. وفي الحديثِ: " ما بـينَ فناءِ الدُّنيا وَالبَعثِ أربعونَ " وهُو محتملٌ للسَّاعاتِ والأيَّامِ والأعوامِ وقيلَ: لا يعلم أهي أربعونَ سنة أو أربعونَ ألفِ سنة { غَيْرَ سَاعَةٍ } استقلُّوا مدَّة لبثهم نسياناً أو كذباً أو تخميناً { كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } مثلَ ذلكَ الصَّرفِ كانوا يُصرفون في الدُّنيا عن الحقِّ والصِّدقِ.

{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَٱلإِيمَـٰنَ } في الدُّنيا من الملائكةِ والإنسِ { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في علمهِ أو قضائهِ أو ما كتبَه وعيَّنه أو في اللَّوحِ أو القرآنِ وهو قوله تعالى:وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } [سورة المؤمنون: الآية 100] { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ } ردُّوا بذلك ما قالُوه وأيَّدوه باليمين كأنَّهم من فرطِ حَيرتِهم لم يدرُوا أنَّ ذلك هو البعثُ الموعودُ الذي كانُوا ينكرونَه وكانُوا يسمعون أنَّه يكونُ بعد فناءِ الخلقِ كافَّة ويقدرون لذلك زماناً مديداً وإنْ لم يعتقدُوا تحقُّقه فردَّ العالِمونَ مقالتَهم ونبَّهوهم على أنَّهم لبثُوا إلى غايةٍ بعيدةٍ كانُوا يسمعونَها وينكرونَها وبكَّتوهم بالإخبارِ بوقوعِها حيثُ قالُوا { فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ } الذي كنتُم تُوعدون في الدُّنيا { وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أنَّه حقٌّ فتستعجلون به استهزاءً والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ كما في قول مَن قالَ:
قالُوا خراسانُ أقْصَى ما يُرادُ بنا   ثمَّ القُفولُ، فقد جِئنا خُراساناً
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ } أي عذرُهم. وقُرىء تنفعُ بالتاء محافظةً على ظاهرِ اللفظِ وإنْ توسط بـينهما فاصلٌ { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يُدعون إلى ما يقتضِي إعتابَهم أي إزالةَ عَتْبِهم من التَّوبة والطَّاعةِ كما دُعوا إليه في الدُّنيا من قولِهم استعتبني فلانٌ فاعتبتُه أي استرضانِي فأرضيته.