Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } * { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ }

{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً } يتبـيَّن به بطلانُ الشِّركِ { مّنْ أَنفُسِكُمْ } أي مُنتزعاً من أحوالِها التي هي أقربُ الأمورِ إليكم وأعرفُها عندكم وأظهرُها دلالةً على ما ذُكر من بطلان الشِّرك لكونها بطريقِ الأولوية. وقولُه تعالى { هَلْ لَّكُمْ } الخ تصوير للمثلِ أي هل لكم { مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } من العبـيدِ والإماءِ { مّن شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَـٰكُمْ } من الأموالِ وما يجري مجراها مَّما تتصرَّفون فيها. فمِن الأُولى ابتدائيةٌ، والثَّانيةُ تبعيضيةٌ، والثَّالثةُ مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفيِ المُستفادِ من الاستفهامِ. فقوله تعالى: { فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } تحقيقٌ لمعنى الشركة وبـيانٌ لكونِهم وشركانِهم متساوين في التَّصرف فيما ذُكر من غير مزيَّةِ لهم عليها على أنَّ هناك محذوفاً معطوفاً على أنتُم لا أنَّه عامٌّ للفريقين بطريق التَّغليب أي هل ترضَون لأنفسكم والحالُ أنَّ عبـيدَكم أمثالُكم في البشريةِ وأحكامِها أنْ يشاركوكم فيما رزقناكم وهو مستعارٌ لكم فأنتم وهم فيه سواءٌ يتصرَّفون فيه كتصرُّفكم من غير فرقٍ بـينكم وبـينهم.

{ تَخَافُونَهُمْ } خبرٌ آخرُ لأنتم أو حالٌ من ضميرِ الفاعل في سواءٌ أي تهابون أنْ تستبدُّوا بالتَّصرُّف فيه بدون رأيهم { كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي خيفةً كائنةً مثلَ خيفتِكم من الأحرارِ المساهيمنَ لكم فيما ذُكر والمعنى نفيُ مضمونٍ ما فصَّل من الجملةِ الاستفهامَّيةِ أي لا ترضَون بأنْ يشاركَكم - فيما هو معارٌ لكم - مماليكُكم وهم أمثالُكم في البشريةِ غيرُ مخلوقين لكُم بل لله تعالى فكيف تُشركون به سبحانه في المعبوديةِ التي هي من خصائصِه الذاتيةِ مخلوقَه بل مصنوعَ مخلوقِه حيثُ تصنعونَه بأيديكم ثم تعبدونَه.

{ كَذٰلِكَ } أي مثلَ ذلك التَّفصيلِ الواضح { نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } أي نبـيِّنها ونوضِّحها لا تفصيلاً أدنى منه فإنَّ التَّمثيل تصويرٌ للمعاني المعقولة بصورةِ المحسوس وإبراز لأوابدِ المُدركاتِ على هيئة المأنوسِ فيكون في غايةِ الإيضاحِ والبـيان { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } أي يستعملون عقولَهم في تدبُّرِ الأمور، وتخصيصُهم بالذِّكرِ مع عموم تفصيلِ الآياتِ للكلِّ لأنَّهم المتنفعون بها { بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } إعراضٌ عن مخاطبتهم ومحاولةُ إرشادِهم إلى الحقِّ بضربِ المثلِ وتفصيلِ الآياتِ واستعمالِ المقدِّماتِ الحقَّةِ المعقولةِ وبـيانٌ لاستحالةِ تبعيتهم للحقِّ كأنَّه قيل لم يعقلوا شيئاً من الآياتِ المُفصَّلةِ با اتَّبعوا { أَهْوَاءهُمْ } الزائغةَ. ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّسجيلِ عليهم بأنَّهم في ذلك الاتباعِ ظالمون واضعون للشيءِ في غيرِ موضعهِ أو ظالمون لأنفسِهم بتعريضِها للعذابِ الخالدِ { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي جاهلين ببطلانِ ما أتَوَا مكبِّـين عليه لا يلويهم عنه صارفٌ حسبما يصرِّف العالم إذا اتبع الباطل علمه ببطلانه { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ } أي خلقَ فيه الضَّلالَ بصرفِ اختيارِه إلى كسبِه أي لا يقدرُ على هدايتِه أحدٌ { وَمَا لَهُمْ } أي لمن أضلَّه الله تعالى والجمعُ باعتبارِ المعنى { مّن نَّـٰصِرِينَ } يُخلَّصونهم من الضَّلالِ ويحفظونهم من تبعاته وآفاتِه على معنى ليس لواحدٍ منهم ناصرٌ واحدٌ على ما هو قاعدةُ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ.