Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ الۤـمۤ } * { غُلِبَتِ ٱلرُّومُ } * { فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } * { فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ }

(سورة الروم)

مكية إلا قوله { فسبحان الله } الآية. وهى ستون آية.

{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } { الم } الكلامُ فيه كالذي مرَّ في أمثالِه من الفواتحِ الكريمةِ { غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ } أي أدنى أرضِ العربِ منهم إذ هيَ الأرضُ المعهودةُ عندهم وهي أطراف الشَّامِ أو في أدنى أرضِهم من العربِ على أنَّ اللامَ عوضٌ عن المضافِ إليهِ. قال مجاهدٌ: هي أرضُ الجزيرةِ وهي أدْنى أرضِ الرُّومِ إلى فارسَ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: الأردنُّ وفلسطينُ. وقُرىء أدانِي الأرضِ { وَهُمْ } أي الرُّوم { مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أي بعد مغلوبـيَّتهم. وقُرىء بسكونِ اللامِ وهي لغةٌ كالجَلَب والجَلْب { سَيَغْلِبُونَ } أي سيَغلِبون فارسَ { فِى بِضْعِ سِنِينَ } رُوي أنَّ فارسَ غَزَوا الرُّومَ فوافَوهم بأَذْرِعَاتٍ وبُصرَى وقيل: بالجزيرةِ كما مرَّ فغلبوا عليهم، وبلغ الخبرُ مكَّة ففرح المشركون وشمِتُوا بالمسلمينَ وقالُوا: أنتُم والنَّصارى أهلُ كتابٍ ونحن وفارسُ أميُّون وقد ظهر إخوانُنا على إخوانِكم فلنظهرنَّ عليكم، فقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه: لا يقْرِرِ الله أعينَكم فوالله ليظهرنَّ الرومُ على فارسَ بعد بضعِ سنين، فقال له أُبـيُّ بنُ خَلَف اللَّعينُ: كذبتَ اجعل بـيننا أجلاً أناحِبُك عليه فناحبَه على عشرِ قلائصَ من كلَ منهُما وجعلا الأجلَ ثلاثَ سنينَ فأخبر به أبُو بكرٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: " البضعُ ما بـين الثَّلاثِ إلى التِّسعِ فزيدُوه في الخطرِ ومادِّه في الأجلِ " فجعلاها مائةَ قلوصٍ إلى تسعِ سنينَ ومات أبـيُّ من جرحِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وظهرتِ الرُّوم على فارسَ عند رأسِ سبعِ سنينَ وذلك يومَ الحديبـيةِ، وقيل: كانَ النَّصرُ للفريقينِ يومَ بدرٍ فأخذَ أبُو بكر الخَطَر من ذريَّةِ أبـيَ فجاء به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ: " تصدَّق به ". وكانَ ذلك قبلَ تحريمِ القِمارِ. وهذه الآياتُ من البـيِّناتِ الباهرةِ الشَّاهدةِ بصحَّةِ النُّبوةِ وكونِ القُرآنِ من عندِ الله عزَّ وجلَّ حيثُ أخبرتْ عن الغيبِ الذي لا يعلمُه إلا العليمُ الخبـيرُ. وقُرىء غَلَبت على البناءِ للفاعلِ وسيُغلبون على البناءِ للمفعولِ والمعنى أنَّ الرُّوم غلبتْ على ريفِ الشامِ وسيغلبُهم المسلمونَ وقد غَزَاهُم المسلمون في السَّنةِ التَّاسعةِ من نزولِها ففتحُوا بعضَ بلادِهم، فإضافةُ الغَلَب حينئذٍ إلى الفاعلِ.

{ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } أي في أولِ الوقتينِ وفي آخرِهما حين غُلبوا وحين يغلِبون، كأنَّه قيل: من قبلِ كونِهم غالبـينَ وهو وقتُ كونِهم مغلوبـينَ ومن بعدِ كونِهم مغلوبـينَ وهو وقتُ كونِهم غالبـينَ والمعنى أنَّ كلاًّ من كونِهم مغلوبـينَ أولاً وغالبـين آخراً ليس إلا بأمرِ الله تعالى وقضائِهوَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } [سورة آل عمران: الآية 140]. وقُرىء من قبلِ ومن بعدِ بالجرِّ من غيرِ تقديرِ مُضافٍ إليهِ واقتطاعِه كأنَّه قيل: قبلاً وبَعْداً، بمعنى أولاً وآخِراً { وَيَوْمَئِذٍ } أي يومَ إذْ يغلبُ الرُّومُ على فارسَ ويحلُّ ما وعدَه الله تعالى من غلبتِهم { يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.