Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } * { قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ } * { ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ }

{ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } الذي هو أولُ الأجرامِ وأعظمُها. وقُرىء العظيمُ بالرَّفعِ على أنَّه صفةُ الربِّ. واعلمْ أن ما حُكي من الهُدهدِ من قولِه الذي يُخرج الخبءَ إلى هُنا ليس داخلاً تحت قولِه أحطتُ بما لم تُحط به وإنَّما هُو من العلومِ والمعارفِ التي اقتبسها من سليمانَ عليه السَّلام أوردَهُ بـياناً لما هو عليهِ وإظهاراً لتصلُّبهِ في الدِّينِ، وكلُّ ذلكَ لتوجيهِ قلبِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نحوَ قبولِ كلامِه وصرفِ عَنَانِ عزيمتِه عليه السَّلامُ إلى غزوِها وتسخيرِ ولايتِها.

{ قَالَ } استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ كلامِ الهُدهدِ كأنَّه قيلَ فماذا فعلَ سليمانُ عليه السَّلام عند ذلكَ فقيل قال { سَنَنظُرُ } أي فيما ذكرتَه من النَّظر بمعنى التَّأملِ، والسِّينُ للتأكيدِ أي سنتعرفُ بالتجربةِ ألبتةَ { أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ } كان مُقتضى الظَّاهرِ أم كذبتَ وإيثارُ ما عليهِ النَّظمُ الكريمُ للإيذانِ بأنَّ كذبَهُ في هذه المادةِ يستلزمُ انتظامَهُ في سلكِ الموسومينَ بالكذبِ الراسخينَ فيه فإنَّ مساقَ هذه الأقاويلِ الملفَّقةِ على ترتيبٍ أنيقِ يستميلُ قلوبَ السامعينَ نحوَ قَبُولِها من غيرِ أنُ يكونَ لها مصداقٌ أصلاً لا سيما بـين يَدَي نبـيَ عظيم الشأنِ لا يكادُ يصدرُ إلا عمَّن له قدم راسخٌ في الكذب والإفكِ.

وقولُه تعالى { ٱذْهَب بّكِتَابِى هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ } استئنافٌ مبـيِّنٌ لكيفيةِ النَّظر الذي وعدَه عليه الصَّلاة والسَّلام، وقد قاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعدما كتبَ كتابَه في ذلكَ المجلسِ أو بعدَهُ. وتخصيصُه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيَّاه بالرِّسالةِ دونَ سائرِ ما تحتَ مُلكِه من أمناءِ الجنِّ الأقوياءِ على التصرف والتعرُّفِ لما عاينَ فيه من مخايل العلمِ والحكمةِ وصحَّةِ الفراسةِ ولئلاَّ يبقى له عذرٌ أصلاً { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } أي تنحَّ إلى مكانٍ قريبٍ تَتَوارى فيه { فَٱنظُرْ } أي تأمَّلَ وتعرَّفْ { مَاذَا يَرْجِعُونَ } أي ماذا يرجعُ بعضُهم إلى بعضٍ من القول. وجمعُ الضمائرِ لما أنَّ مضمونَ الكتابِ الكريمِ دعوةُ الكُلِّ إلى الإسلام.