Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } * { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } * { وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً }

{ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } تعليلٌ لاستدعائِهم المذكورِ بسوءِ حالِها في نفسها إثرَ تعليلهِ بسوء حالِ عذابِها، وقد جُوِّز أن يكون تعليلاً للأُولى وليس بذاك. وساءتْ في حكم بئستُ وفيها ضميرٌ مبهمٌ يفسِّره مستقرَّاً. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ معناه ساءتْ مستقرَّاً ومقاماً هَي وهذا الضَّميرُ هو الذي ربطَ الجملة باسمِ إنَّ وجعلَها خبراً لها. قيلَ: ويجوزُ أنْ يكونَ ساءتْ بمعنى أحزنتْ وفيها ضميرُ اسم إنَّ. ومستقرَّاً حالٌ أو تميـيزٌ وهو بعيدٌ خالٍ عَّما في الأولِ من المبالغةِ في بـيانِ سوءِ حالِها وكذا جعل التعليلينِ من جهتِه تعالى.

{ وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } لم يجاوزُوا حدَّ الكرمِ { وَلَمْ يَقْتُرُواْ } ولم يضيِّقُوا تضيـيقَ الشَّحيحِ وقيل: الإسرافُ هو الإنفاقُ في المعاصِي والقترُ منعُ الواجباتِ والقُربِ. وقُرىء بكسرِ التَّاءِ مع فتحِ الياءِ وبكسرِها مخفَّفةً ومشدَّدةً مع ضمِّ الياءِ { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ } أي بـين ما ذُكر من الإسرافِ والقَترِ { قَوَاماً } وسطاً وعدلاً سُمِّي به لاستقامةِ الطَّرفينِ كما سُمِّيَ به سواءً لاستوائِهما وقُرىء بالكسرِ وهو ما يُقام به الحاجةُ لا يفضلُ عنها ولا ينقصُ وهو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ مؤكِّدة أو هو الخبرُ وبـين ذلك لغوٌ وقد جُوِّز أنْ يكونَ اسمَ كانَ على أنَّه مبنيٌّ لأضافتِه إلى غيرِ متمكِّن ولا يَخْفى ضعفُه فإنَّه بمعنى القوام فيكون كالإخبارِ بشيءِ عن نفسِه.

{ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ } شروعٌ في بـيان اجتنابِهم عن المعاصي بعد بـيانِ إتيانِهم بالطَّاعات. وذكرُ نفيِ الإسرافِ والقَتْرِ لتحقيقِ معنى الاقتصادِ والتَّصريحُ بوصفِهم بنفيِ الإشراكِ مع ظهورِ إيمانِهم لإظهارِ كمالِ الاعتناء بالتَّوحيدِ والإخلاصِ وتهويلِ أمرِ القتلِ والزِّنا بنظمِهما في سلكِه وللتَّعريضِ بما كانَ عليه الكَفَرةُ من قُريشٍ وغيرِهم أي لا يعبدونَ معه تعالى إلهاً آخرَ.

{ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } أي حرَّمها بمعنى حرَّم قتلَها فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليهِ مقامَه مبالغةً في التَّحريمِ { إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي لا يقتلونَها بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ المزيلِ لحُرمتِها وعصمتِها أو لا يقتلون قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحقِّ أو لا يقتلونها في حالٍ من الأحوال إلا حالً كونِهم ملتبسين بالحقِّ { وَلاَ يَزْنُونَ } أي الذين لا يفعلُون شيئاً من هذه العظائمِ القبـيحةِ التي جمعهنَّ الكفرةُ حيث كانُوا مع إشراكِهم به سبحانه مداومين على قتلِ النُّفوسِ المحرَّمةِ التي من جُملتها الموءودةُ مكبِّـين على الزِّنا لا يرعُوون عنه أصلاً { وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي ما ذُكر كما هو دأبُ الكَفرةِ المذكُورين { يَلْقَ } في الآخرةِ. وقُرىء يلقَّى وقرىء يلقَّ بالتَّشديدِ مجزوماً { أَثَاماً } وهو جزاءُ الإثمِ كالوبال والنِّكال وزناً ومعنى. وقيل: هو الإثم أبـي يلقَ جزاءُ الإثم والتَّنوينُ على التَّقديرين للتفخيم. وقُرىء أيَّاماً أي شدائدَ يقال يومٌ ذُو أيَّام لليومِ الصَّعبِ.