Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }

{ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } بـيانٌ لحكمِ العَفَائفِ إذا نُسبن إلى الزِّنا بعد بـيانِ حُكمِ الزَّوانِي ويُعتبر في الإحصانِ هٰهُنا مع مدلولهِ الوضعيِّ الذي هو العِفَّةُ عن الزِّنا الحريَّةُ والبُلوغُ والإسلامُ وفي التَّعبـيرِ عن التَّفوهِ بما قالُوا في حقهنَّ بالرَّمي المنبىءِ عن صلابةِ الآلةِ وإيلامِ المَرميِّ وبعدِه عن الرَّامِي إيذانٌ بشدَّةِ تأثيره فيهنَّ وكونهِ رجماً بالغيبِ والمرادُ به رميهنَّ بالزِّنا لا غير، وعدمُ التَّصريحِ به للاكتفاءِ بإيرادهنَّ عقيبَ الزَّواني ووصفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوضعِ على نزاهتهنَّ عن الزِّنى خاصَّة فإنَّ ذلكَ بمنزلةِ التَّصريحِ بكونِ رميهنَّ به لا محالة ولا حاجة في ذلكَ إلى الاستشهادِ باعتبارِ الأربعةِ من الشُّهداءِ على أنَّ فيه مؤنة بـيانِ تأخُّرِ نزولِ الآيةِ عن قوله تعالى:فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً } [النساء: 15] ولا بعدمِ وجوبِ الحدِّ بالرَّميِ بغيرِ الزِّنى على أنَّ فيه شبهة المُصادرةِ كأنَّه قيلَ والذينَ يرمُون العفائفَ المنزَّهاتِ عمَّا رُمين به من الزِّنى { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } يشهدونَ عليهنَّ بما رموهنَّ به، وفي كلمةِ ثمَّ إشعارٌ بجوازِ تأخيرِ الإتيانِ بالشُّهودِ كما أنَّ في كلمةِ لم إشارةً إلى تحققِ العجزِ عن الإتيانِ بهم وتقرره خلا أنَّ اجتماعَ الشُّهودِ لا بُدَّ منه عندَ الأداءِ خلافاً للشَّافعيِّ رحمه الله تعالى فإنَّه جَوَّزَ التَّراخي بـينَ الشَّهاداتِ كما بـينَ الرَّميِ والشَّهادةِ ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُهم زوجَ المقذوفةِ خلافاً له أيضاً وقُرىء بأربعة شهداء { فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } لظهورِ كذبهِم وافترائِهم بعجزِهم عن الإتيانِ بالشُّهداءِ لقوله تعالى:فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ } [النور: 13] وانتصابُ ثمانينَ كانتصابِ المصادرِ ونصبُ جلدةً على التَّميـيزِ. وتخصيصُ رميهنَّ بهذا الحكم مع أنَّ حكم رَميِ المُحصنين أيضاً كذلك لخصوصِ الواقعةِ وشيوعِ الرَّمي فيهنَّ.

{ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً } عطفٌ على اجلدُوا داخلٌ في حكمهِ تتمةٌ له لما فيهِ معنى الزَّجرِ لأنَّه مؤلمٌ للقلبِ كما أنَّ الجلدَ مؤلمٌ للبدنِ وقد آذى المقذوفَ بلسانه فعُوقبَ بإهدار منافعهِ جزاءً وِفاقاً. واللاَّمُ في لهُم متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من شهادةً قدمتْ عليها لكونها نكرةً ولو تأخرتْ عنها لكانتْ صفةً لها، وفائدتُها تخصيصُ الردِّ بشهادتهم النَّاشئةِ عن أهليَّتهم الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّميِ وهُو السِّرُّ في قبولِ شهادةِ الكافرِ المحدودِ في القذفِ بعد التَّوبةِ والإسلامِ لأنَّها ليستْ ناشئةً عن أهليَّتهِ السَّابقةِ بل عن أهلية حَدَثتْ له بعد إسلامهِ فلا يتناولُها الردُّ فتدبَّرْ ودعْ عنك ما قيل من أنَّ المسلمينَ لا يعبأون بِنَسَبِ الكفَّارِ فلا يلحقُ المقذوفَ بقذفِ الكافرِ من الشَّينِ والشَّنارِ ما يلحقهُ بقذفِ المسلمِ فإنَّ ذلكَ بدونِ ما مرَّ من الاعتبارِ تعليلٌ في مُقابلةِ النصِّ ولا يخفى حالُه فالمعنى لا تقبلُوا منهم شهادةً من الشَّهاداتِ حالَ كونها حاصلةً لهم عندَ الرَّميِ { أَبَدًا } أي مُدَّة حياتهم وإنْ تابُوا وأصلحُوا لما عرفتَ من أنَّه تتمةٌ للحدِّ كأنَّه قيلَ فاجلدُوهم وردُّوا شهادتهم أي فاجمعُوا لهم الجلدَ والردَّ فيبقى كأصله. { وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبلَه ومبـينٌ لسُّوءِ حالهم عند اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذانِ ببعدِ منزلتهم في الشرِّ والفسادِ أيْ أُولئك هم المحكومُ عليهم بالفسقِ والخروجِ على الطَّاعةِ والتَّجاوزِ عن الحدودِ الكاملون فيه كأنَّهم هم المستحقُّون لإطلاقِ اسمِ الفاسقِ عليهم لا غيرُهم منَ الفَسَقةِ.