Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ } * { وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } * { وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } * { أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ }

{ وَٱلَّذِينَ هُم بِـئَايَـٰتِ رَبَّهِمْ } المنصوبة والمنزلةِ { يُؤْمِنُونَ } بتصديقِ مدلولِها { وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } شِرْكاً جليًّا ولا خفيًّا، ولذلك أُخِّر عن الإيمانِ بالآياتِ، والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبـيَّةِ في المواقع الثَّلاثةِ للإشعارِ بعلِّيتها للإشفاقِ والإيمانِ وعدمِ الإشراكِ.

{ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ } أي يُعطون ما أعطوه من الصَّدقاتِ. وقُرىء يأتون ما أتوا أي يفعلون ما فعلُوه من الطَّاعاتِ وأيّاً ما كان فصيغةُ الماضي في الصِّلة الثَّانيةِ للدِّلالة على التَّحقُّق كما أنَّ صيغة المضارعِ في الأُولى للدِّلالة عن الاستمرار { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } حالٌ من فاعلِ يُؤتون أو يأتون أي يُؤتون ما آتوه أو يفعلون من العباداتِ ما فعلُوه والحالُ أنَّ قلوبهم خائفةٌ أشدَّ الخوفِ { أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ رٰجِعُونَ } أي من أنَّ رجوعهم إليهِ عزَّ وجلَّ على أنَّ مناطَ الوَجَلِ ألاَّ يُقبلَ منهم ذلك وألاَّ يقعَ على الوجهِ اللاَّئقِ فيُؤاخذُوا به حينئذٍ لا مجرَّدُ رجوعهم إليه تعالى وقيل لأنَّ مرجعَهم إليه تعالى. والموصولاتُ الأربعةُ عبارةٌ عن طائفةٍ واحدةٍ متَّصفةٍ بما ذُكر في حيِّزِ صِلاتِها من الأوصافِ الأربعةِ لا عن طوائفَ كلُّ واحدةٍ منها متَّصفةٌ بواحدٍ من الأوصافِ المذكورةِ، كأنَّه قيلَإِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } [المؤمنون: 57] و { بِـئَايَـٰتِ رَبِّهم يُؤْمِنُونَ } [المؤمنون: 58] الخ وإنَّما كُرِّر الموصولُ إيذاناً باستقلالِ كلِّ واحدةٍ من تلكَ الصِّفاتِ بفضيلةٍ باهرةٍ على حيالِها، وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلالِ الموصوفِ بها.

{ أُوْلَـٰئِكَ } إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتِّصافهم بها. وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ ببُعدِ رُتبتِهم في الفضلِ أي أولئكَ المنعُوتون بما فُصِّلَ من النُّعوتِ الجليلةِ خاصَّةً دُونَ غيرِهم { يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } أي في نيلِ الخيراتِ التي من جُملتها الخيراتُ العاجلةُ الموعودةُ على الأعمالِ الصَّالحةِ كما في قوله تعالى:فَآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ } [آل عمران: 148] وقوله تعالى:وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ } [العنكبوت: 27] فقد أثبتَ لهم ما نُفيَ عن أضدادِهم خلا أنَّه غيَّر الأسلوبَ حيثُ لم يقُلْ أولئكَ نُسارع لهم في الخيراتِ بل أسندَ المسارعة إليهم إيماءً إلى كمالِ استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسنِ أعمالهِم. وإيثارُ كلمةِ في على كلمةِ إلى للإيذان بأنَّهم متقلِّبون في فُنون الخيراتِ لا أنَّهم خارجُون عنها متوجِّهون إليها بطريق المُسارعة كما في قوله تعالى:وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ } [آل عمران: 133] الآية { وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ } أي إيَّاها سابقون واللاَّمُ لتقويةِ العملِ كما في قوله تعالى:هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ } [المؤمنون: 63] أي ينالونَها قبل الآخرةِ حيثُ عُجِّلتْ لهم في الدُّنيا وقيل المرادُ بالخيراتِ الطَّاعاتُ. والمعنى يرغبون في الطَّاعاتِ والعباداتِ أشدَّ الرَّغبةِ وهم لأجلها فاعلون السَّبقَ أو لأجلِها سابقون النَّاسَ والأوَّلُ هو الأوْلىٰ.