Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ } * { ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ }

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ } هو أبُو جهلٍ بنُ هشامٍ حسبَما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما، وقيل: هُو من يتصدَّى لإضلالِ النَّاسِ وإغوائِهم كائناً مَن كان كما أنَّ الأولَ من يُقلدهم على أنَّ الشَّيطانَ عبارةٌ عن المضلِّ المُغوي على الإطلاقِ { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلِّق بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضميرِ يجادلُ أي كائناً بغيرِ علمٍ والمرادُ العلمُ الضَّروريُّ كما أنَّ المرادَ بالهُدى في قوله تعالى: { وَلاَ هُدًى } هو الاستدلالُ والنَّظرُ الصَّحيحُ الهادي إلى المعرفةِ { وَلاَ كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ } وحي مظهرٍ للحقِّ أي يجادل في شأنِه تعالى من غير تمسُّكٍ بمقدِّمةٍ ضروريةٍ ولا بحجَّةٍ نظريةٍ ولا ببرهانٍ سمعيَ كما في قوله تعالى:وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } [الحج: 71] وأما ما قيلَ من أنَّ المرادَ به المجادلُ الأوَّلُ والتَّكريرُ للتَّأكيدِ والتَّمهيدِ لما بعدَهُ من بـيانِ أنَّه لا سندَ له من استدلالٍ أو وحيٍ فلا يُساعدُه النَّظمُ الكريمُ، كيفَ لا وإنَّ وصفَه باتِّباعِ كلِّ شيطانٍ موصوفٍ بما ذُكر يُغني عن وصفِه بالعراءِ عن الدَّليلِ العقليِّ والسِّمعيِّ.

{ ثَانِىَ عِطْفِهِ } حالٌ أخرى من فاعلِ يُجادل أي عاطفاً لجانبه وطاوياً كَشْحَه مُعرضاً متكبِّراً فإنَّ ثنْيَ العطفِ كنايةٌ عن التَّكبُّرِ. وقُرىء بفتحِ العينِ أي مانعاً لتعطُّفِه.

{ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } متعلِّقٌ بـيجادلُ فإنَّ غرضَه الإضلالُ عنه وإن لم يعترفْ بأنَّه إضلالٌ. والمرادُ به إمَّا الإخراجُ من الهُدى إلى الضَّلالِ فالمفعولُ مَن يُجادلُه من المؤمنينَ أَو النَّاس جميعاً بتغليب المؤمنين على غيرِهم وإمَّا التَّثبـيتُ على الضَّلالِ أو الزِّيادةُ عليه مجازاً فالمفعولُ هم الكفرةُ خاصَّةً. وقُرىء بفتح الياءِ وجُعل ضلالُه غايةً لجدالِه من حيثُ إنَّ المرادَ به الضَّلالُ المبـينُ الذي لا هدايةَ له بعدَهُ مع تمكُّنِه منها قبلَ ذلك { لَهُ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } جملةٌ مستأنفةٌ مسُوقةٌ لبـيانِ نتيجةِ ما سلكَه من الطَّريقةِ أي يثبُت له في الدُّنيا بسببِ ما فعله خزيٌ وهُو ما أصابَه يومَ بدرٍ من القتلِ والصَّغَارِ { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } أي النَّارِ المُحرقةَ.