Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } * { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ فَهُمْ مُّعْرِضُونَ }

{ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } استئنافٌ ببـيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزةِ سلطانه القاهرِ بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسألَه عما يفعل من أفعال إثرَ بـيانِ أن ليس له شريكٌ في الإلٰهية { وَهُمْ } أي العباد { يُسْـئَلُونَ } عما يفعلون نقيراً وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبَدون ففيه وعيدٌ للكفرة.

{ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً } إضرابٌ وانتقالٌ من إظهار بُطلانِ كون ما اتخذوه آلهةً آلهةً حقيقةً بإظهار خلوِّها عن خصائص الألٰهية التي من جملتها الإنشارُ وإقامةُ البرهان القاطعِ على استحالة تعدد الإلٰهِ على الإطلاق وتفرّدِه سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلانِ اتخاذِهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاءَ لله عز سلطانُه، وتبكيتُهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيقُ أن جميع الكتب السماويةِ ناطقةٌ بحقية التوحيد وبطلانِ الإشراك. والهمزةُ لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحِه ومن متعلقةٌ باتخذوا، والمعنى بل أُتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهةً مع ظهور خلوهم عن خواصّ الألوهية بالكلية { قُلْ } لهم بطريق التبكيتِ وإلقامِ الحجر { هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } على ما تدّعونه من جهة العقل والنقلِ فإنه لا صحةَ لقولٍ لا دليلَ عليه في الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأنِ الخطير، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم ـ من الإشعار بأن لهم برهاناً ـ ضربٌ من التهكم بهم وقوله تعالى: { هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } إنارةٌ لبرهانه وإشارةٌ إلى أنه مما نطقت به الكتبُ الإلٰهيةُ قاطبةً وشهِدت به ألسنةُ الرسلِ المتقدمة كافةً وزيادةُ تهيـيجٍ لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالِ عجزِهم، أي هذا الوحيُ الواردُ في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطعِ العقليّ ذكرُ أمتي أي عظتُهم وذكرُ الأمم السالفة قد أقمتُه فأقيموا أنتم أيضاً برهانَكم، وقيل: المعنى هذا كتابٌ أُنزل على أمتي وهذا كتابٌ أنزل على أمم الأنبـياءِ عليهم السلام من الكتب الثلاثةِ والصحفِ فراجعوها وانظُروا هل في واحد منها غيرُ الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيتٌ لهم يتضمن إثباتَ نقيضِ مُدّعاهم وقرىء بالتنوين والإعمال كقوله تعالى:أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } [البلد: 14] وبه وبمن الجارة على أن (مع) اسمٌ هو ظرف كقبلٍ وبعْدٍ وقوله تعالى: { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ } إضرابٌ من جهته تعالى غيرُ داخل في الكلام الملقن وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بـيان أنه لا ينجع فيهم المُحاجّة بإظهار حقيقة الحقِّ وبطلانِ الباطل، فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بـينه وبـين الباطل { فَهُمُ } لأجل ذلك { مُّعْرِضُونَ } أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البـينات والحجج، أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية، وقرىء الحقُّ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف وسِّط بـين السبب والمسببِ تأكيداً للسببـية.