Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } * { قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } * { إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } * { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ }

{ وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ } بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكامِ وغير ذلك من الأمور التي هي مناطٌ لسعادة الدارين { إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } هو في حيز النصب على أنه استثناءٌ من أعم العلل أو من أعم الأحوال، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعةِ للعالمين قاطبةً، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حالَ كونِك رحمةً لهم فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأٌ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما يُسعِده، وقيل: كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال حسبما ينطِق به قوله تعالى:وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } [الأنفال: 33] { قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } أي ما يوحىٰ إليّ إلا أنه لا إلٰهَ لكم إلا إلٰهٌ واحدٌ لأنه المقصودُ الأصليُّ من البعثة، وأما ما عداه فمن الأحكام المتفرِّعة عليه فإنما الأولى لقصر الحُكم على الشيء كقولك: إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد، والثانيةُ لقصر الشيءِ على الحكم كقولك: إنما زيدٌ قائم أي ليس له إلا صفةُ القيام { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي مخلِصون العبادةَ لله تعالى مخصِّصون لها به تعالى، والفاءُ للدِلالة على أن ما قبلها موجبٌ لما بعدها. قالوا: فيه دَلالةٌ على أن صفةَ الوَحْدانية تصحّ أن يكون طريقُها السمعَ.

{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإسلام وعن شرائعه ومباديه ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من الوحي { فَقُلْ } لهم { ءاذَنتُكُمْ } أي أعلمتُكم ما أُمرت به أو حربـي لكم { عَلَىٰ سَوَاء } كائنين على سواءٍ في الإعلام به لم أطْوِه عن أحد منكم أو مستوين به أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به أو في المعاداة أو إيذاناً على سواء، وقيل: أعلمتكم أني على سواء أي عدلٍ واستقامة رأيٍ بالبرهان النيّر { وَإِنْ أَدْرِى } أي ما أدري { أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } من غلَبة المسلمين وظهورِ الدين أو الحشرُ مع كونه آتياً لا محالة.

{ إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيبِ الآياتِ التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود { وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } من الإحْن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه نقيراً وقطميراً.

{ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } أي ما أدري لعل تأخيرَ جزائِكم استدراجٌ لكم وزيادةٌ في افتتانكم، أو امتحانٌ لكم لينظُرَ كيف تعملون { وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } أي وتمتُّعٌ لكم إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئتَه المبنيةُ على الحِكَم البالغةِ ليكون ذلك حجةً عليكم.