Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ } * { إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى }

{ فَلَمَّا أَتَـٰهَا } أي النارَ التي آنسها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: رأى شجرةً خضراءَ أطافت بها من أسفلها إلى أعلاها نارٌ بـيضاءُ تتقدُ كأضْوإ ما يكون، فوقف متعجباً من شدة ضوئها وشدةِ خُضرة الشجرة فلا النارُ تُغيّر خضرتها ولا كَثرةُ ماء الشجرة تُغيّر ضوءَها. قالوا: النارُ أربعةُ أصنافٍ: صنفٌ يأكل ولا يشرب وهي نارُ الدنيا، وصنفٌ يشرب ولا يأكل وهي نارُ الشجرِ الأخضر، وصنفٌ يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنفٌ لا يأكل ولا يشرب وهي نارُ موسى عليه الصلاة والسلام، وقالوا: هي أربعةُ أنواعٍ: نوعٌ له نورٌ وإحراقٌ وهي نارُ الدنيا، ونوع لا نورَ له ولا إحراقَ وهي نارُ الأشجار، ونوعٌ له نورٌ بلا إحراقٍ وهي نارُ موسى عليه الصلاة والسلام، ونوعٌ له إحراقٌ بلا نور وهي نارُ جهنم. روي أن الشجرة كانت عَوْسَجةً، وقيل: كانت سَمُرة { نُودِىَ يٰمُوسَىٰ } أي نودي فقيل: يا موسى { إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } أو عومل النداءُ معاملةَ القول لكونه ضرباً منه، وقرىء بالفتح أي بأني، وتكريرُ الضمير لتأكيد الدليلِ وتحقيقِ المعرفة وإماطةِ الشبهة. روي أنه لما نودي يا موسى، قال عليه الصلاة والسلام: من المتكلم؟ فقال الله عز وجل: «أنا ربك» فوسوس إليه إبليسُ: لعلك تسمع كلامَ شيطان، فقال: أنا عرفتُ أنه كلامُ الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهاتِ بجميع الأعضاء. قلت: وذلك لأن سماعَ ما ليس من شأنه ذلك من الأعضاء ليس إلا من آثار الخلاق العليم تعالى وتقدس، وقيل: تلقّى عليه الصلاة والسلام كلامَ رب العزة تلقياً روحانياً ثم تمثل ذلك الكلامُ لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهه { فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ } أُمر عليه الصلاة والسلام بذلك لأن الحفْوةَ أدخلُ في التواضع وحسنِ الأدب، ولذلك كان السلفُ الصالحون يطوفون بالكعبة حافين، وقيل: ليباشر الواديَ بقدميه تبركاً به، وقيل: لما أن نعليه كانتا من جلد حمارٍ غيرِ مدبوغ، وقيل: معناه فرِّغْ قلبَك من الأهل والمال، والفاء لترتيب الأمر على ما قبلها فإن ربوبـيته تعالى له عليه الصلاة والسلام من موجبات الأمر وداوعيه وقوله تعالى: { إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ } تعليلٌ لوجوب الخَلْع المأمور به وبـيانٌ لسبب ورودِ الأمر بذلك من شرف البُقعة وقُدْسِها، روي أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي { طُوًى } بضم الطاء غيرُ منوّن، وقرىء منوناً، وقرىء بالكسر منوناً وغيرَ منّون، فمَنْ نوّنه أوّله بالمكان دون البقعة، وقيل: هو كثني الطي مصدرٌ لنوديَ أو المقدس أي نودي نداءين أو قُدّس مرة بعد أخرى.