Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

{ لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } جملةٌ مستأنفة جِيء بها إثرَ بـيانِ تفرُّدِه سبحانه وتعالى بالشؤون الجليلةِ الموجبةِ للإيمان به وحده إيذاناً بأن مِنْ حق العاقلِ ألا يحتاجَ إلى التكليف والإلزام بل يختارُ الدينَ الحقَّ من غير ترددٍ وتلعثم وقيل: هو خبرٌ في معنى النهي أي لا تُكرِهوا في الدين فقيل: منسوخٌ بقوله تعالى:جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 73، التحريم: 9] وقيل: خاصٌّ بأهل الكتاب حيث حصَّنوا أنفسَهم بأداءِ الجزية ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ من بني سالم بن عوفٍ ابنان قد تنصّرا قبل مبعثه عليه السلام ثم قدِما المدينة فلزِمهما أبوهما وقال: والله لا أدَعُكما حتى تُسلما فأَبَـيا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت فخلاّهما { قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } استئنافٌ تعليلي صُدّر بكلمة التحقيقِ لزيادة تقريرِ مضمونِه كما في قوله عز وجل:قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } [الكهف، الآية 76] أي إذ قد تبـين بما ذُكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهُّمُ اشتراك غيرِه في شيء منها الإيمانُ الذي هو الرشدُ الموصل إلى السعادة الأبدية من الكفر الذي هو الغيُّ المؤدي إلى الشقاوة السرمدية { فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } هو بناءُ مبالغة من الطغيان كالمَلَكوت والجَبَروت قُلب مكانُ عينه ولامِه فقيل: هو في الأصل مصدر وإليه ذهب الفارسيُّ وقيل: اسمُ جنسٍ مُفرَدٍ مذكر، وإنما الجمعُ والتأنيثُ لإرادة الآلهةِ وهو رأيُ سيبويه، وقيل: هو جمعٌ وهو مذهبُ المبرِّد وقيل: يستوي فيه المُفرَد والجمعُ والتذكيرُ والتأنيثُ أي فمن يعملْ إثرَ ما تميز الحقُّ من الباطل بموجب الحُججِ الواضحةِ والآياتِ البـينة ويكفرْ بالشيطان أو بالأصنام أو بكل ما عُبد من دون الله تعالى أو صَدَّ عن عبادته سبحانه تعالى لِما تبـيّن له كونُه بمعزل من استحقاق العبادة { وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ } وحدَه لِما شاهد من نعوتِه الجليلةِ المقتضيةِ لاختصاص الألوهيةِ به عز وجل الموجبةِ للإيمان والتوحيدِ، وتقديمُ الكفرِ بالطاغوت على الإيمان به تعالى لتوقفه عليه فإن التخليةَ متقدّمةٌ على التحلية { فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } أي بالغَ في التمسُّك بها كأنه وهو ملتبسٌ به يطلُبُ من نفسه الزيادةَ فيه والثباتَ عليه { لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } الفصْم الكسرُ بغير صوت كما أن القَصْم هو الكسرُ بصوت، ونفيُ الأول يدل على انتفاءِ الثاني بالأولوية، والجملةُ إما استئنافٌ مقرِّر لما قبلها من وَثاقة العُروة وإما حالٌ من العروة والعاملُ استمسك أو من الضمير المستتر في الوثقى ولها في حيز الخبر، أي كائن لها والكلامُ تمثيلٌ مبنيٌّ على تشبـيه الهيئة العقليةِ المنتزَعةِ من ملازمة الاعتقادِ الحقِّ الذي لا يحتمل النقيضَ أصلاً لثبوته بالبراهين النيِّرة القطعية بالهيئة الحِسّية المنتزَعه من التمسُّك بالحبل المُحْكَم المأمونِ انقطاعُه فلا استعارةَ في المفردات ويجوز أن تكونَ العُروةُ الوثقى مستعارةً للاعتقاد الحقِّ الذي هو الإيمانُ والتوحيدُ لا للنظر الصحيح المؤدّي إليه كما قيل فإنه غيرُ مذكورٍ في حيز الشرط، والاستمساكُ بها مستعاراً لِما ذكر من الملازمة أو ترشيحاً للاستعارة الأولى { وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } بالأقوال { عَلِيمٌ } بالعزائم والعقائدِ، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيلي حاملٌ على الإيمان رادِعٌ عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد.