Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } * { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } * { وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }

{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } اللغوُ ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبارِ والمرادُ به في الأيمان ما لا عقدَ معه ولا قصْدَ كما ينبىء عنه قوله تعالى:وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ } [المائدة، الآية 89] وهو المعنيُّ بقوله عز وجل: { وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وقد اختُلف فيه فعندنا هو أن يحلِف على شيءٍ يظنُّه على ما حلف عليه ثم يظهرُ خلافُه فإنه لا قصْدَ فيه إلى الكذبَ وعند الشافعي رحمه الله هو قولُ العرب لا والله وبلى والله مما يؤكِّدون به كلامَهم من غير إخطار الحلِف بالبال فالمعنى على الأول لا يؤاخذُكم الله أي لا يعاقبُكم بلغو اليمين الذي يحلِفه أحدُكم ظاناً أنه صادقٌ فيه ولكن يعاقبُكم بما اقترفتْه قلوبُكم من إثم القصْد إلى الكذب في اليمين وذلك في الغَموس، وعلى الثاني لا يلزمُكم الكفارةُ بما لا قصدَ معه إلى اليمين ولكن يلزمُكُموها بما نوَتْ قلوبُكم وقصَدَتْ به اليمينَ ولم يكن كسبَ اللسان فقط { وَٱللَّهُ غَفُورٌ } حيث لم يؤاخذْكم باللغو مع كونه ناشئاً من عدم التثبّت وقلةِ المبالاة { حَلِيمٌ } حيث لم يعجَلْ بالمؤاخذة، والجملةُ اعتراض مقرِّرٌ لمضمون قوله تعالى: لا يؤاخذكم الخ وفيه إيذانٌ بأن المرادَ بالمؤاخذة المعاقبة لا إيجابُ الكفارة إذ هي التي يتعلق بها المغفرةُ والحِلْمُ دونه.

{ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } الإيلاءُ الحلِفُ وحقُّه أن يستعمل بعلى واستعمالُه بمن لتضمينه معنى البُعد أي للذين يحلِفون متباعدين من نسائهم ويُحتمل أن يراد لهم من نسائهم { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } كقولك: لي منك كذا وقرىء آلَوْا من نسائهم وقرىء يُقسمون من نسائهم والإيلاءُ من المرأة أن يقول: والله لا أقرَبُك أربعةَ أشهرٍ فصاعداً على التقيـيد بالأشهر، أو لا أقربك على الإطلاق، ولا يكون فيما دون ذلك وحكمه أنه إن فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكن أو بالقول إن عجِز عنه صح الفيءُ وحنِث القادرُ ولزِمَتْه كفارةُ اليمين، ولا كفارةَ على العاجز، وإن مضت الأشهرُ الأربعةُ بانت بتطليقه والتربُّص الانتظارُ والتوقف أضيف إلى الظرف اتساعاً أي لهم أن ينتظروا في هذه المدة من غير مطالبة بفيء أو طلاق { فَإِن فَآءوا } أي رَجَعوا عن اليمين بالحِنْث، والفاء للتفصيل كما إذا قلت أنا نزيلُكم هذا الشهرَ فإن حمِدتُكم أقمتُ عندكم إلى آخره وإلا لم ألبَثْ إلا ريثما أتحوّل { فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفرُ للمُولي بفيئته التي هي كتَوْبته إثرَ حنثه عند تكفيره أو ما قصَد بالإيلاء من ضرار المرأة.

{ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلَـٰقَ } وأجمعوا عليه { فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } بما جرى منهم من الطلاق وما يتعلق به من الدمدمة والمقاولةِ التي لا تخلو عنها الحالُ عادة { عَلِيمٌ } بنياتهم وفيه من الوعيد على الإصرار وترك الفَيئة ما لا يخفى.