Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } * { فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } * { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ } أي الاستسلام والطاعةِ، وقيل الإسلام، وقرىء بفتح السين وهو لغة فيه وبفتح اللام أيضاً، وقوله تعالى: { كَافَّةً } حال من الضمير في ادخُلوا أو من السِّلم أو منهما معاً في قوله: [الطويل]
خرجتُ بها تمشي تجرُّ وراءَنا   على أَثَريْنا ذيلَ مِرْطٍ مُرَجَّل
وهي في الأصل اسمُ الجماعة تكفُّ مُخالِفَها ثم استعملت في معنى جميعاً وتاؤُها ليست للتأنيث حتى يُحتاجَ إلى جعل السِّلم مؤنثاً مثلَ الحربِ كما في قوله عزَّ وجل:وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا } [الأنفال، الآية 61] وفي قوله: [البسيط]
السلمُ تأخذُ منها ما رضِيتَ به   والحربُ يكفيك من أنفاسها جُرَعُ
وإنَّما هي للنقل كما في عامة وخاصة وقاطبة والمعنى استسلموا لله تعالى وأطيعوه جملةً ظاهراً وباطناً، والخطابُ للمنافقين أو ادخُلوا في الإسلام بكلّيته ولا تخلِطوا به غيَره، والخطابُ لمؤمني أهلِ الكتاب فإنهم كانوا يراعون بعضَ أحكام دينهم القديمِ بعد إسلامِهم، أو في شرائع الله تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبـياء عليهم السلام والكتبِ جميعاً والخطابُ لأهل الكتاب كلِّهم، ووصفُهم بالإيمان إما على طريقة التغليب وإما بالنظر إلى إيمانهم القديم، أو في شعب الإسلام وأحكامِه كلِّها فلا يُخِلوا بشيء منها والخطاب للمسلمين وإنما خوطب أهلُ الكتاب بعنوان الإيمان مع أنه لا يصحّ الإيمانُ إلا بما كلَّفوه الآن إيذاناً بأن ما يدّعونه لا يتمّ بدونه { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } بالتفرُّق والتفريقِ أو بمخالفة ما أُمرتم به { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهرُ العداوة أو مُظْهِرٌ لها وهو تعليلٌ للنهي أو الانتهاءِ، { فَإِن زَلَلْتُمْ } أي عن الدخول في السلم وقرىء بكسر اللام وهي لغة فيه { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ } الآياتُ { ٱلْبَيِّنَـٰتُ } والحججُ القطعية الدالَّةُ على حقيقته المُوجبة للدخول فيه { فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } غالبٌ على أمره لا يُعجِزُه الانتقامُ منكم { حَكِيمٌ } لا يترُكُ ما تقتضيه الحِكمةُ من مؤاخذة المجرمين المستعصين على أوامره.

{ هَلْ يَنظُرُونَ } استفهامٌ إنكاري في معنى النفي أي ما ينتظرون بما يفعلون من العِناد والمخالفة في الامتثال، بما أُمِروا به والانتهاء عما نُهوا عنه { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ } أي أمرُه وبأسُه أو يأتيَهم اللَّهُ بأمره وبأسِه فحُذف المأتيُّ به لدِلالة الحال عليه، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان بأن سوءَ صنيعهم موجبٌ للإعراض عنهم، وحكايةُ جنايتهم لمن عداهم من أهل الإنصاف على طريق المباثة، وإيرادُ الانتظارِ للإشعار بأنهم لانهماكهم فيما هم فيه من موجبات العقوبة كأنهم طالبون لها مترقبون لوقوعها { فِي ظُلَلٍ } جمع ظُلة كقُلل جمع قُلَّة وهي ما أظلك وقرىء في ظلال كقلال في جمع قلة { مّنَ ٱلْغَمَامِ } أي السحاب الأبـيض وإنما أتاهم العذابُ فيه لما أنه مظنة الرحمة فإذا أتى منه العذاب كان أفظعَ وأقطعَ للمطامع فإن إتيان الشر من حيث لا يُحتسب صعبٌ فكيف بإتيانه من حيث يرجى منه الخير؟ { وَٱلْمَلَـئِكَةُ } عطف على الاسم الجليل أي ويأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة وتوسيط الظرف بينهما للإيذان بأن الآتي أو لا من جنس ما يلابس الغمام ويترتب عليه عادة وأما الملائكة وإن كان إتيانهم مقارناً لما ذكر من الغمام لكن ذلك ليس بطريق الاعتياد وقرئ بالجر عطفاً على ظلل أو الغمام { وَقُضِىَ ٱلأمْرُ } أي تمَّ أمرُ إهلاكهم وفُرغ منه وهو عطفٌ على (يأتيَهم) داخل في حيز الانتظار، وإنما عُدل إلى صيغة الماضي دَلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملةٌ مستأنفة جيءَ بها إنباءً عن وقوع مضمونها، وقرىء وقضاءُ الأمر عطفاً على الملائكةُ { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ } لا إلى غيره { تُرْجَعُ ٱلأمُورُ } بالتأنيث على البناء للمفعول من الرَّجْع، وقرىء بالتذكير وعلى البناء للفاعل بالتأنيث من الرجوع.