Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ } * { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ } * { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }

{ فَٱذْكُرُونِى } الفاءُ للدلالة على ترتب الأمرِ على ما قبله من موجباته أي فاذكروني بالطاعة { أَذْكُرْكُمْ } بالثواب، وهو تحريضٌ على الذكر مع الإشعار بما يوجبُه { وَٱشْكُرُواْ لِي } ما أنعمتُ به عليكم من النعم { وَلاَ تَكْفُرُونِ } بجَحدها وعِصيان ما أمرتُكم به.

{ يا أيُّهَا ٱلَّذِينَ آمنوا } وصفَهم بالإيمان إثرَ تعدادِ ما يوجبه ويقتضيه تنشيطاً لهم وحثاً على مراعاة ما يعقُبه من الأمر { ٱسْتَعِينُواْ } في كل ما تأتون وما تذرون { بِٱلصَّبْرِ } على الأمور الشاقةِ على النفس التي من جملتها معاداةُ الكَفَرة ومقابلتُهم المؤديةُ إلى مقاتلتهم { وٱلصَّلَوٰةِ } التي هي أمُّ العبادات ومِعراجُ المؤمنين ومناجاةُ ربِّ العالمين { إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تعليل للأمر بالاستعانة بالصبر خاصة لما أنه المحتاجُ إلى التعليل، وأما الصلاةُ فحيث كانت عند المؤمنين أجلَّ المطالب كما يُنبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام: " وجُعلت قُرةُ عيني في الصلاة " لم يفتقر الأمرُ بالاستعانة بها إلى التعليل، ومعنى المعية الولايةُ الدائمةُ المستتبِعة للنُصرة وإجابةِ الدعوة، ودخول مع على الصابرين لما أنهم المباشِرون للصبر حقيقةً فهم متبوعون من تلك الحيثية { وَلاَ تَقُولُواْ } عطف على استعينوا الخ مَسوقٌ لبـيان أنْ لا غايةَ للمأمور به وإنما الشهادةُ التي ربما يؤدي إليها الصبرُ حياةٌ أبدية { لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ } أي هم أموات { بَلْ أَحْيَاء } أي بل هم أحياءٌ { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } بحياتهم وفية رمزٌ إلى أنها ليست مما يُشعِر به بالمشاعر الظاهرةِ من الحياة الجُسمانية وإنما هي أمرٌ روحاني لا يُدرَكُ بالعقل بل بالوحي، وعن الحسن رحمه الله أن الشهداءَ أحياءٌ عند الله تُعرَضُ أرزاقُهم على أرواحِهم فيصلُ إليهم الرَّوْحُ والفَرَحُ، كما تُعرض النارُ على آل فِرعونَ غدُوّاً وعشياً فيصلُ إليهم الألمُ والوجَع.

قلت: رأيت في المنام سنة تسعٍ وثلاثين وتسعمائة أني أزور قبورَ شهداءِ أُحدٍ رضي الله تعالى عنهم أجمعين وأنا أتلو هذه الآيةَ وما في سورة آلِ عمرانَ وأردّدهما متفكراً في أمرهم وفي نفسي أن حياتَهم روحانية لا جثمانية، فبـينما أنا على ذلك إذ رأيتُ شاباً منهم قاعداً في قبره تامَّ الجسدِ كامِلَ الخِلْقة في أحسن ما يكونُ من الهيئة والمنظر، ليس عليه شيءٌ من اللباس قد بدا منه ما فوق السُرةِ والباقي في القبر خلا أني أعلم يقيناً أن ذلك أيضاً كما ظهر وإنما لا يظهر لكونه عورةً فنظرت إلى وجهه فرأيته ينظُر إلي متبسّماً كأنه ينبِّهُني على أن الأمر بخلاف رأيـي فسُبحان من عَلَتْ كلمتُه وجلّت حِكمتُه.

وقيل: الآية نزلت في شهداءِ بدرٍ وكانوا أربعةَ عشرَ، وفيها دلالة على أن الأرواحَ جواهرُ قائمةٌ بأنفسها مغايرةٌ لما يُحَسُّ به من البدن تبقىٰ بعد الموت دراكة، وعليه جمهورُ الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وبه نطقت السنن، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بذلك لما يستدعيه مقامُ التحريض على مباشرة مباديَ الشهادةِ ولاختصاصهم بمزيد القُرب من الله عز وعلا.