Altafsir.com - The Tafsirs - التفاسير
 

* تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ ابو السعود (ت 951 هـ) مصنف و مدقق


{ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

{ فَإِنْ ءامَنُواْ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما تقدم من إيمانِ المخاطَبـين على الوجه المحرَّرِ مَظِنَّةٌ لإيمان أهلِ الكتابـين لما أنه مشتملٌ على ما هو مقبولٌ عندهم { بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } أي بما آمنتم به على الوجهِ الذي فُصل على أن المِثْلَ مُقحَمٌ كما في قوله تعالى:وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } [الأحقاف، الآية 10] أي عليه، ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود بما آمنتم به وقراءة أُبـيّ بالذي آمنتم به ويجوزُ أن تكون الباء للاستعانة على أن المؤمَنَ به محذوفٌ لظهوره بمروره آنفاً، أو على أن الفعلَ مُجرىً مُجرىٰ اللازمِ أي فإن آمنوا بما مر مفصلاً أو فإنْ فعلوا الإيمانَ بشهادةٍ مثلِ شهادتكم، وأن تكون الأولى زائدةً والثانية صلةً لآمنتم و(ما) مصدرية أي فإن آمنوا إيماناً مثلَ إيمانِكم بما ذُكر مفصَّلاً وأن تكون للملابسة أي فإن آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيماناً ملتبساً به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بـين الأنبـياء عليهم السلام فإن ما وُجد فيهم وصدَر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثلُ ما للمؤمنين لا عينُه بخلاف المؤمَنِ به فإنه لا يُتصوَّرُ فيه التعدّد { فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بـينكم الاتحادُ والاتفاق، وأما ما قيل من أن المعنى فإن تحرَّوُا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثلِ طريقِكم فقد اهتدوا فإن وَحدَة المقصِد لا تأبىٰ تعددَ الطريق الحقِّ، وإرشادُهم إليه بعينه لا يلائم تجويزَ أن يكون له طريقٌ آخرُ وراءه { وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلّوا بشيء من ذلك كأن آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض كما هو دينُهم ودَيْدَنُهم { فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } المُشاقّة والشِقاقُ من الشِق كالمخالفة والخِلاف من الخُلف والمعاداة والعِداء من العَداوة أي التجانب، فإن أحدَ المخالِفين يُعرِض عن الآخر صورةً أو معنى ويُولِيه خَلفَه ويأخُذُ في شِقٍ غيرِ شِقّه وعَدْوةٍ غيرِ عَدْوَتِه، والتنوينُ للتفخيم أي هم مستوون في خلاف عظيمٍ بعيدٍ من الحق وهذا لدفع ما يُتوهم من احتمال الوِفاق بسبب إيمانِهم ببعضِ ما آمن به المؤمنونَ، والجملةُ إما جوابُ الشرط كما هي على أن المرادَ مُشاقّتُهم الحادثةُ بعد تولِّيهم عن الإيمان كجواب الشرطية الأولى، وإنما أُوثرت الجملةُ الاسميةُ للدلالة على ثباتِهم واستقرارِهم في ذلك، وإما بتأويل فاعلَموا إنما هم في شقاق. هذا هو الذي يستدعيه فخامةُشأنِ التنزيلِ الجليل، وقد قيل: قولُه تعالى: { فَإِنْ ءامَنُواْ } [البقرة، الآية: 137] الخ من باب التعجيز والتبكيتِ على منهاج قولِه تعالى:فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } [البقرة، الآية: 23]، والمعنى فإن حصّلوا ديناً آخرَ مثل دينِكم مماثلاً له في الصِحة والسَّداد فقد اهتَدوا وإذ لا إمكانَ له فلا إمكانَ لاهتدائهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بحمل النظمِ الكريم عليه، ولمّا دل تنكيرُ الشِقاق على امتناعِ الوفاقِ وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال والقتالِ لا محالة عقَّب ذلك بتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفريحِ المؤمنين بوعد النصر، والغَلَبة ضمانُ التأيـيد والإعزاز، وعبّر بالسين الدالةِ على تحقق الوقوعِ اْلبتَةَ فقيل: { فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ } أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال، وقد أنجز عز وعلا وعدَه الكريمِ بقتل بني النضير، وتلوينُ الخطاب بتجريده للنبـي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك كفايةٌ منه سبحانه للكلِّ لما أنه الأصلُ والعُمدة في ذلك وللإيذانِ بأن القيامَ بأمورِ الحروب وتحمُّلَ المُؤَن والمشاقِّ ومقاساةَ الشدائد في مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقه عليه السلام أتم وأكملُ { وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تذيـيلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعوه به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ينطِقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه ولا يخفى ما فيه من تأكيد الوعد السابقِ فإن وعيدَ الكفرة وعد المؤمنين.